فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 321

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشدد مع أصحابه - رضوان الله عليهم - في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج , بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة , كشؤون الزرع , وخطط القتال , وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي , ولا بالنظام الاجتماعي , ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان . . وفرق بين هذا وذلك بين . فمنهج الحياة شيء , والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر . والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله , هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة . .

قال الإمام أحمد:"حدثنا عبد الرازق , أنبأنا سفيان , عن جابر , عن الشعبي , عن عبد الله بن ثابت . قال:جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله . إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة , فكتب لي جوامع من التوراة . ألا أعرضها عليك ? قال:فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت:قلت له:ألا ترى ما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ? فقال عمر:رضيت بالله ربا , وبالإسلام دينا , وبمحمد رسولا . قال:فسري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم . إنكم حظي من الأمم , وأنا حظكم من النبيين"."

وقال الحافظ أبو يعلى:حدثنا حماد عن الشعبي عن جابر . قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء . فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا . وإنكم إما أن تصدقوا بباطل , وإما أنتكذبوا بحق . وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني". . وفي بعض الأحاديث:"لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي". .

هؤلاء هم أهل الكتاب . وهذا هو هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور , أو بالشريعة والمنهج . . ولا ضير - وفق روح الإسلام وتوجيهه - من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة , علما وتطبيقا . . مع ربطها بالمنهج الإيماني:من ناحية الشعور بها , وكونها من تسخير الله للإنسان . ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية , وتوفير الأمن لها والرخاء . وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية . شكره بالعبادة , وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية . .

فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني , وفي تفسير الوجود , وغاية الوجود الإنساني . وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها , وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضا . . أما التلقي في شيء من هذا كله , فهو الذي تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأيسر شيء منه . وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته . وهي الكفر الصراح . .

هذا هو توجيه الله - سبحانه - وهذا هو هدى رسوله صلى الله عليه وسلم فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون , فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم عن المستشرقين وتلامذة المستشرقين ! وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء , ومن الفلاسفة والمفكرين:الإغريق والرومان والأوروبيين والأمريكان ! وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة ! وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن , الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين . . أي دين . . ثم نزعم - والله - أننا مسلمون ! وهو زعم إثمه أثقل من إثم الكفر الصريح . فنحن بهذا نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ . حيث لا يشهد عليه هذه الشهادة الآثمة من لا يزعمون - مثلنا - أنهم مسلمون !

إن الإسلام منهج . وهو نهج ذو خصائص متميزة:من ناحية التصور الاعتقادي , ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها . ومن ناحية القواعد الأخلاقية , التي تقوم عليها هذه الارتباطات , ولا تفارقها , سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية . وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها . فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية . ومما يتناقض مع طبيعة القيادة - كما أسلفنا - أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي . .

ولخير البشرية جاء هذا المنهج يوم جاء . ولخير البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا المنهج اليوم وغدا . بل الأمر اليوم الزم , والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي انتهت إليها ما تعاني . وليس هناك منقذ إلا هذا المنهج الإلهي , الذي يجب أن يحتفظ بكل خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى .

لقد أحرزت البشرية انتصارات شتى في جهادها لتسخير القوى الكونية . وحققت في عالم الصناعة والطب ما يشبه الخوارق - بالنسبة للماضي - وما تزال في طريقها إلى انتصارات جديدة . . ولكن ما أثر هذا كله في حياتها ? ما أثره في حياتها النفسية ? هل وجدت السعادة هل وجدت الطمأنينة ? هل وجدت السلام ? كلا ! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف . . والأمراض العصبية والنفسية , والشذوذ والجريمة على أوسع نطاق ! . . إنها لم تتقدم كذلك في تصور غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية . . وحين تقاس غاية الوجودالإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر , إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب , تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة ! بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود , وتسفل به , وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه ! . . والخواء يأكل قلب البشرية المكدود , والحيرة تهد روحها المتعبة . . إنها لا تجد الله . . لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة . والعلم الذي كان من شأنه , لو سار تحت منهج الله , أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من الله , هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطا بسبب انطماس روحها ونكستها . . إنها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه الله لها ووهبها الاستعداد له . ولا تجد المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون , وفطرتها وفطرة الكون , وقانونها وناموس الكون . ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها , وآخرتها ودنياها , وأفرادها وجماعاتها , وواجباتها وحقوقها . . تنسيقا طبيعيا شاملا مريحا . .

وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج الله الهادي . وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج"رجعية !"ويحسبونه مجرد حنين إلى فترة ذاهبة من فترات التاريخ . . وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة , كما يقود خطاها إلى النمو والرقي . . ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو . إننا نرى واقع البشرية النكد , ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه . ونرى . نرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاة تلوح للمكدودين في هجير الصحراء المحرق , والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع ; ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان , ولكل معنى من معاني الإنسان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت