فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 321

السبب الأول: العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده ، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض إنسانًا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به ، إذ قال: { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } [ آل عمران: 119 ، 120 ] وكذا قال: { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } [ آل عمران: 118 ] . واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل .

السبب الثاني: التعزز ، فإن واحدًا من أمثاله إذا نال منصبًا عاليًا ترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه .

السبب الثالث: أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا: كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء له رؤوسنا؟ فقالوا: { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف: 31 ] وقال تعالى يصف قول قريش: { أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } [ الأنعام: 53 ] كالاستحقار بهم والأنفة منهم .

السبب الرابع: التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا: { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } [ إبراهيم: 10 ] ، وقالوا: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عابدون } [ المؤمنون: 47 ] ، { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لخاسرون } [ المؤمنون: 34 ] وقالوا متعجبين: { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولًا } [ الإسراء: 94 ] وقالوا: { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْنَا الملئكة } [ الفرقان: 21 ] وقال: { أوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ } [ الأعراف: 63 69 ] .

السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد ، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونًا له في الانفراد بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم .

السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده .

السبب السابع: شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدًا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده ، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ، ويقال: البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع ، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته . فهذه هي أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها .

المسألة الخامسة: في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه . اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها ، إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو لغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة ، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة ، ولما لم توجد الرابطة بين شخصين في بلدين لا جرم لم يكن بينهما محاسدة ، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر ، بل الاسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز ، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسريَّة زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته ، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد ، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق وبالجملة فأصل الحسد العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل لا يجمع إلا متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهم ، نعم من اشتد حرصه على الجاه العريض والصيت في أطراف العالم فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الخصلة التي يتفاخر بها ، أقول: والسبب الحقيقي فيه أن الكمال محبوب بالذات وضد المحبوب مكروه ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال ، فلا جرم كان الشريك في الكمال مبغضًا لكونه منازعًا في الفردانية التي هي من أعظم أبواب الكمال ، إلا أن هذا النوع من الكمال لما امتنع حصوله إلا لله سبحانه ووقع اليأس عنه فاختص الحسد بالأمور الدنيوية ، وذلك لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين ، أما الآخرة فلا ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم ، فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته فلا يحسد غيره إذا عرف ذلك ، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله ، وهي بحر واسع لا ضيق فيها وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها ، نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه ، تحاسدوا لأن المال أعيان إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ، ومعنى الجاه ملء القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر ، أما إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله لم يمنع ذلك أن يمتلىء قلب غيره وأن يفرح به فلذلك وصفهم الله تعالى بعدم الحسد فقال: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين } [ الحجر: 47 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت