(فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده , فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) .
وعندئذ - عند الفتح - سواء كان هو فتح مكة أو كان الفتح بمعنى الفصل أو عند مجيء أمر الله - يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض , على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى وعلى النفاق الذي انكشف أمره , وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال المنافقين , ويستنكرون ما كانوا فيه من النفاق وما صاروا إليه من الخسران !
(ويقول الذين آمنوا:أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ? حبطت أعمالهم , فأصبحوا خاسرين !) . .
ولقد جاء الله بالفتح يوما , وتكشفت نوايا , وحبطت أعمال , وخسرت فئات . ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح , كلما استمسكنا بعروة الله وحده ; وكلما أخلصنا الولاء لله وحده . وكلما وعينا منهج الله , وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا . وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه . فلم نتخذ لنا وليا إلا الله ورسوله والذين آمنوا . .
وفي التفسير الوسيط:
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمة روايات منها:
ما رواه السدي من أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد واقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه واتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث . وقال الآخر: وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فأواليه وانتصر معه . فأنزل الله تعالى الآيات .
وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى بني قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه ، أي: إنه الذبح .
وقيل نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول فقد أخرج ابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم . وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله . فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبي: يا أبا الحباب ، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه قال: قد قبلت . فأنزل الله تعالى: { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ . . . } إلى قوله: { نَادِمِينَ } .
والخطاب في قوله عز وجل: { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ } للمؤمنين جميعا في كل زمان ومكان ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
الأولياء جمع ولي ويطلق بمعنى النصير والصديق والحبيب .
والمراد بالولاية هنا: مصافاة أعداء الإِسلام والاستنصار بهم ، والتحالف معهم دون المسلمين .
أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ، لا يتخذ أحد منكم أحدا من اليهود والنصارى وليا ونصيرا ، أي: لا تصافوهم مصافاة الأحباب ، ولا تستنصروا بهم ، فإنهم جميعا يد واحدة عليكم ، يبغونكم الغوائل ، ويتربصون بكم الدوائر ، فكيف يتوهم بينكم وبينهم موالاة؟
وقد نادى - سبحانه - المؤمنين بصفة الإِيمان ، لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه ، إذ أن وصفهم بما هو ضد صفات الفريقين - اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن موالاتهما:
وقوله: { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } جملة مستأنفة بمثابة التعليل للنهي ، والتأكيد لوجوب اجتناب المنهي عنه .
أي لا تتخذوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى أولياء ، لأن بعض اليهود أولياء لبعض منهم ، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم ، والكل يضمرون لكلم البغضاء والشر ، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم ، لكنهم متفقون على كراهية الإِسلام والمسلمين .
وقوله { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } تنفير من موالاة اليهود والنصارى بعد النهي عن ذلك . والولاية لليهود والنصارى إن كانت على سبيل الرضا بدينهم ، والطعن في دين الإِسلام ، كانت كفرا وخروجا عن دين الإِسلام .
وإلى هذا المعنى أشار ابن جرير بقوله: قوله: { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي: ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم ، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه راض . وإذا رضى دينه ، فقد عادى من خالفه وسخطه . وصار حكمه حكمه"."
وإذا كانت الولاية لهم ليست على سبيل الرضا بدينهم وإنما هي على سبيل المصافاة والمصادقة كانت معصية تختلف درجتها بحسب قوة الموالاة وبحسب اختلاف أحوال المسلمين وتأثرهم بهذه الموالاة .
قال الفخر الرازي: قوله: { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قال ابن عباس: يريد كأنه مثلهم . وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين .
روىعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن لي كاتبا نصرانيا فقال: مالك قاتلك الله ، ألا اتخذت حنيفيا أما سمعت قول الله تعالى { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ } قلت: له دينه ولي كتابته . فقال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله . ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله قلت لا يتم أمر البصرة إلا به . فقال: مات النصراني والسلام .
يعني: هب أنه مات فما تصنع بعد ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره .
وقوله: { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } تعليل لكون من يواليهم منهم وتأكيد للنهي عن موالاتهم .
أي: إن الله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم إلى الطريق المستقيم ، وإنما يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلال ، والفسوق والعصيان ، بسبب وضعهم الولاية في غير موضعها الحق ، وسيرهم في طريق أعداء الله .
وبعد هذا النهي الشديد عن موالاة أعداء الله ، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء الله ، وأشعر بسببه فقال: { فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ } .
والدائرة: من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها . وأصلها داورة . لأنها من دار يدور . ومعناها لغة: ما أحاط بالشيء . والمراد بها هنا: المصيبة من مصائب الدهر التي تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما في داخلها .
والمعنى: فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم ، وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإِسلام مسارعة في الداخل في الشيء ، قائلين في أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق: اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي تدور بها الزمان كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو أن يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقي شرهم ، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق . قال الجمل: والفاء في قوله { فَتَرَى } إما للسببية المحضة: أي: بسبب أن الله لا يهدي القوم الظالمين المتصفين بما ذكر { فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } وإما للعطف على قوله: { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } من حيث المعنى .
والرؤية في قوله ( ترى ) بصرية ، فتكون جملة يسارعون حال . وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا . والأول أنسب بظهور نفاقهم .