فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 321

من حق الإسلام أن يخرج"الناس"من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . . ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين , وتحرير الناس أجمعين . . وعبادة الله وحده لا تتحقق - في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي - إلا في ظل النظام الإسلامي . فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم . حاكمهم ومحكومهم . أسودهم وأبيضهم . قاصيهم ودانيهم . فقيرهم وغنيهم تشريعًا واحدًا يخضع له الجميع على السواء . . أما في سائر الأنظمة , فيعبد الناس العباد , لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد . وهو من خصائص الألوهية . فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصًا وعملًا , سواء ادعاها قولًا أم لم يعلن هذا الادعاء ! وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها !

والإسلام ليس مجرد عقيدة . حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس . والتجمعات الأخرى لا تمكنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو . ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرر العام . وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله لله . فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته , كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقوم على عبودية العباد للعباد !

إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر , وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر , يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة . لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيدًا أن هذه ليست هي الحقيقة . ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة . . ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام , بنفي هذا الاتهام ! فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته , وحقه في"تحرير الإنسان"ابتداء .

وقد غشى على أفكار الباحثين العصريين - المهزومين - ذلك التصور الغربي لطبيعة"الدين". . وأنه مجرد"عقيدة"في الضمير ; لا شأن لها بالأنظمة الواقعية للحياة . . ومن ثم يكون الجهاد للدين , جهادًا لفرض العقيدة على الضمير !

ولكن الأمر ليس كذلك في الإسلام . فالإسلام منهج الله للحياة البشرية . وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية - متمثلة في الحاكمية - وينظم الحياة الواقعية بكل تفصيلاتها اليومية ! فالجهاد له جهاد لتقرير المنهج وإقامة النظام . أما العقيدة فأمرها موكول إلى حرية الاقتناع , في ظل النظام العام , بعد رفع جميع المؤثرات . . ومن ثم يختلف الأمر من أساسه , وتصبح له صورة جديدة كاملة .

وحيثما وجد التجمع الإسلامي , الذي يتمثل فيه المنهج الإلهي , فإن الله يمنحه حق الحركة والانطلاق لتسلم السلطان وتقرير النظام . مع ترك مسألة العقيدة الوجدانية لحرية الوجدان . . فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد , فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ . مسألة مقتضيات حركة لا مسألة مقررات عقيدة . وعلىهذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة , في المراحل التاريخية المتجددة . ولا نخلط بين دلالالتها المرحلية , والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل .

وبعد , فإن هناك بقية في بيان طبيعة"الجهاد في الإسلام"و"طبيعة هذا الدين"يمدنا بها المبحث المجمل القيم الذي أمدنا به المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان , بعنوان"الجهاد في سبيل الله". . وسنحتاج أن نقتبس منه فقرات طويلة ; لا غنى عنها لقارئ يريد رؤية واضحة دقيقة لهذا الموضوع الخطير العميق في بناء الحركة الإسلامية:

"لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة"الجهاد""بالحرب المقدسة" [ ] إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم . وقد فسروها تفسيرًا منكرًا . وتفننوا فيها , وألبسوها ثوبًا فضفاضًا من المعاني المموهة الملفقة . وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء . وقد كان من لباقتهم , وسحر بيانهم , وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة , أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة . . الجهاد . . تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة , مصلتة سيوفها , متقدة صدورها بنار التعصب والغضب , متطايرًا من عيونها شرار الفتك والنهب , عالية أصواتها بهتاف:"الله أكبر", زاحفة إلى الأمام , ما إن رأت كافرًا حتى أمسكت بخناقه , وجعلته بين أمرين:إما أن يقول كلمة:"لا إله إلا الله"فينجو بنفسه , وإما أن يضرب عنقه , فتشخب أوداجه دمًا !"

"ولقد رسم الدهان هذه"الصورة"بلباقة فائقة , وتفننوا فيها بريشة المتفنن المبدع ; وكان من دهائهم ولباقتهم في هذا الفن أن صبغوها بصبغ من النجيع الأحمر , وكتبوا تحتها:"

"هذه الصورة مرآة لما كان بسلف هذه الأمة من شره إلى سفك الدماء , وجشع إلى الفتك بالأبرياء"!

"والعجب كل العجب , أن الذين عملوا على هذه الصورة ; وقاموا بما كان لهم من حظ موفور في إبرازها وعرضها على الأنظار , هم هم الذين مضت عليهم قرون وأجيال يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إرضاء لشهواتهم الدنيئة وإطفاء لأوار مطامعهم الأشعبية , وتلك هي حربهم الملعونة غير المقدسة [ ] التي أثاروها على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها , وجاسوا خلال ديارهم يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لمستعمراتهم التي يريدون أن يستعمروها , ويستبدوا بمنابع ثروتها دون أصحابها الشرعيين , ويفتشون عن المناجم والمعادن , وعما تغله أرض الله الواسعة من الحاصلات التي يمكن أن تكون غذاء لبطون مصانعهم ومعاملهم . يبحثون عن كل ذلك وقلوبهم كلها جشع وشره إلى المال والجاه . وبين أيديهم الدبابات المدججة , وفوق رؤوسهم الطائرات المحلقة في جو السماء , ووراء ظهورهم مئات الألوف من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها , وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة , يريدون بذلك أن يهيئوا وقودًا لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهابًا واضطرابًا . فلم تكن حروبهم في"سبيل الله", وإنما كانت في سبل شهواتهم الدنيئة , وأهوائهم الذميمة . ."

"هذه هي حال الذين يصموننا بالغزو والقتال , الذي سبق لنا من أعمال الفتوح والحروب قد مضت عليه أحقاب طويلة . أما أعمالهم المخزية هذه فلا يزالون يقترفونها ليل نهار بمرأى ومسمع من العالم"المتحضر المتمدن !". وأي بلاد الله , يا ترى , قد سلمت من عدوانهم , وما تخضبت أراضيها بدماء أبنائها الزكية ? وأية هذه القارات العظيمة من آسيا وأفريقية وأمريكا ما ذاقت وبال حروبهم الملعونة ? . . لكن هؤلاء الدهاةرسموا صورتنا بلباقة منكرة , وأبدأوا وأعادوا في عرضها بشكل هائل بشع , وقد سحب ذيل النسيان على صورتهم الدميمة , حتى لا يكاد يذكرها أحد بجنب الصورة المنكرة التي صوروا بها تاريخنا ومآثر أسلافنا . فما أعظم دهاءهم ! وما أبرعهم في التزوير والتمويه !"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت