فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 321

"إن دعوة الإسلام إلى التوحيد , وعبادة الله الواحد , لم تكن قضية كلامية . أو عقيدة لاهوتية فحسب . شأن غيره من النحل والملل ; بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي [ ] أرادت في أول ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية ; واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة . فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان ; ومنهم من استأثر بالملك والإمرة , وتحكم في رقاب الناس ; ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض ; وجعل الناس عالة عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به . . فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعًا وتستأصل شأفتهم استئصالًا . . وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهرًا وعلانية ; وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم ; وينقادوا لجبروتهم ; مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم ; أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها ; فقالوا: (ما علمت لكم من إله غيري) . . و (وأنا ربكم الأعلى) . . و (أنا أحيي وأميت) . . و (من أشد منا قوة ?) . . إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغيًا وعدوانًا . وطورا استغلوا جهل الدهماء وسفههم , فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة , يدعون الناس ويريدونهم علىأداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها , يلعبون بعقول الناس , ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم لا يشعرون ! فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد , وإخلاص العبادة لله الواحد الأحد , وتنديده بالكفر والشرك بالله , واجتناب الأوثان والطواغيت . . كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها , والذين يجدون فيها سندًا لهم , وعونًا على قضاء حاجاتهم وأغراضهم . . ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة , وخاطبهم قائلًا: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . . قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره , وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلمًا وعدوانًا . . خرجت تقاومه , وتضع في سبيل الدعوة العقبات . وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية , أو شرح لمسألة من مسائل الإلهيات وإنما كانت نداء لانقلاب اجتماعي عالمي , ما كانت بوادره لتخفى على المستأثرين بمناصب العز والجاه , المستبدين بمنابع الثراء , ممن يشمون رائحة الاضطراب السياسي قبل حدوثه بأعوام !"

"إن الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية , وجملة من المناسك والشعائر , كما يفهم من معنى الدين في هذه الأيام . بل الحق أنه نظام شامل , يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة الجائرة الجارية في العالم , ويقطع دابرها , ويستبدل بها نظامًا صالحًا , ومنهاجًا معتدلًا , يرى أنه خير للإنسانية من النظم الأخرى , وأن فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان , وسعادة له وفلاحًا في العاجلة والآجلة معًا ."

"ودعوته في هذه السبيل , سبيل الإصلاح والتجديد والهدم والبناء , عامة للجنس البشري كافة , لا تختص بأمة دون أمة , أو طائفة دون طائفة . فهو يدعو بني آدم جميعًا إلى كلمته ; حتى إنه يهيب بالطبقات الجائرة نفسها ممن اعتدوا حدود الله في أرضه . واستأثروا بخيرات الأرض دون سائر الناس . . يهيب بالملوك والأمراء أنفسهم ويناديهم قائلًا:لا تطغوا في الأرض , وادخلوا في كنف حدود الله التي حدها لكم , وكفوا أيديكم عما نهاكم الله عنه وحذركم إياه . فإن أسلمتم لأمر الله , ودنتم لنظام الحق والعدل الذي أقامه للناس خيرا وبركة , فلكم الأمن والدعة والسلامة فإن الحق لا يعادي أحدًا ; وإنما يعادي الحق الجور , والفساد والفحشاء , وأن يتعدى الرجل حدوده الفطرية , ويبتغي ما وراء ذلك , مما لا حظ له فيه حسب سنن الكون , وفطرة الله التي فطر الناس عليها ."

"فكل من آمن بهذه الدعوة وتقبلها بقبول حسن , يصير عضوًا في"الجماعة الإسلامية"أو"الحزب الإسلامي"لا فرق في ذلك بين الأحمر منهم والأسود , أو بين الغني منهم والفقير . كلهم سواسية كأسنان المشط . لا فضل لأمة على أمة . أو لطبقة على أخرى . وبذلك يتكون ذلك الحزب العالمي أو الأممي , الذي سمي"حزب الله"بلسان الوحي ."

"وما إن يتكون هذا الحزب حتى يبدأ بالجهاد في سبيل الغاية التي أنشئ لأجلها . فمن طبيعته , وما يستدعيه وجوده , أن لا يألو جهدًا في القضاء على نظم الحكم التي أسس بنيانها على غير قواعد الإسلام , واستئصال شأفتها , وأن يستنفد مجهوده في أن يستبدل بها نظامًا للعمران والاجتماع معتدلًا , مؤسسًا على قواعد ذلك القانون الوسط العدل الذي يسميه القرآن الكريم: كلمة الله . فإن لم يبذل هذا الحزب الجهد المستطاع ,ولم يسع سعيه وراء تغيير نظم الحكم وإقامة نظام الحق . . نظام الحكم المؤسس على قواعد الإسلام . . ولم يجاهد حق جهاده في هذه السبيل , فاتته غايته . وقصر عن تحقيق البغية التي أنشئ لأجلها . فإنه ما أنشئ إلا لإدراك هذه الغاية , وتحقيق هذه البغية . . بغية إقامة نظام الحق والعدل . . ولا غاية له ولا عمل إلا الجهاد في هذه السبيل . وهذه الغاية الوحيدة التي بينها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:"

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) . . [ آل عمران:110 ]

"ولا يظن أحد أن هذا الحزب . . (حزب الله) بلسان الوحي . . مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين , يعظون الناس في المساجد , ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا ! ليس الأمر كذلك ! وإنما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده , ويكون شهيدًا على الناس ; ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضي على منابع الشر والعدوان , ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت ; وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة . الذين تكبروا في أرض الله بغير الحق ; وجعلوا أنفسهم أربابا من دون الله ; ويستأصل شأفة ألوهيتهم . ويقيم نظاما للحكم والعمران صالحا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير . . وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم:"

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . . [ الأنفال:38 ] .

(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . . [ الأنفال:73 ] .

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . . [ التوبة:33 ]

"فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر ; ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم ; لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة على قواعد العدوان والفساد في الأرض ; وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح , ويؤتي أكله , إلا بعدما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطغاة المفسدين . ويأخذه بأيديهم رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ; ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت