فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 321

المسألة الأولى: أنه تعالى بين أن حبهم لأن يرجعوا عن الإيمان إنما كان لأجل الحسد . قال الجبائي: عنى بقوله: { كَفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } أنهم لم يؤتوا ذلك من قبله تعالى وإن كفرهم هو فعلهم لا من خلق الله فيهم ، والجواب أن قوله: { مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } فيه وجهان ، أحدهما: أنه متعلق ب «ود» على معنى أنهم أحبوا أن ترتدوا عن دينكم ، وتمنيهم ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق؟ الثاني: أنه متعلق بحسدًا أي حسدًا عظيمًا منبعثًا من عند أنفسهم . أما قوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا } فهذا يدل على أن اليهود بعدما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقاء الشبه على ما بيناه ، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه الرضا بما فعلوا ، لأن ذلك كفر ، فوجب حمله على أحد أمرين ، الأول: أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت ، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى: { قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } [ الجاثية: 14 ] وقوله: { واهجرهم هَجْرًا جميلًا } [ المزمل: 10 ] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال: { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } وذكروا فيه وجوهًا ، أحدها: أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن ، وثانيها: أنه قوة الرسول وكثرة أمته . وثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين: إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الأخر } [ التوبة: 29 ] وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } [ الحج: 39 ] وقلده سيفًا فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وههنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يكون منسوخًا وهو معلق بغاية كقوله: { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } [ البقرة: 187 ] وإن لم يكن ورود الليل ناسخًا فكذا ههنا ، الجواب: أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الوارد شرعًا عن أن يكون ناسخًا ويحل محل قوله: { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه عنكم . السؤال الثاني: كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟ والجواب: أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شرًا وقتالًا .

القول الثاني: في التفسير قوله: { فاعفوا واصفحوا } حسن الاستدعاء ، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول .

أما قوله تعالى: { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره .

وقال السيد رحمه الله:

ذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس . . الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . . لماذا ? لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم . ولكنها لأنها تعلم !

(حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) . .

والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين , وما زالت تفيض , وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال . وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه , ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم ; وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه , والذي أنقدهم الله منه بالإيمان , وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود !

وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة , وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد , والشر بالشر , ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره , وقتما يريد:

(فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره . إن الله على كل شيء قدير) . .

وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم , واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم:

(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة , وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله . إن الله بما تعملون بصير) . .

وهكذا . . يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر , ومكمن الدسيسة ; ويعبىء مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم . . ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله ; ينتظرون أمره , ويعلقون تصرفهم بإذنه . . وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة , لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة . ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة . .

وفي التفسير الوسيط:

معنى الآية الكريمة: أحب وتمنى عدد كثير من اليهود الذين هم أهل كتاب ، أن ينقلوكم أيها المؤمنون من الإِيمان إلى الكفر ، حسدًا لكم وبغضًا لدينكم ، من بعد ما ظهر لهم أنكم على الحق باتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم فلا تهتموا بهم ، بل قابلوا أحقادهم وضرورهم بترك عقابهم ، والإِعراض عن أذاهم ، حتى يأذن لاله لكم فيهم بما فيه خيركم ونصركم ، فإنه - سبحانه - على كل شيء قدير"."

وقوله تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا } بيان للون من ألوان الشرور التي يضمرها أهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود ، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق ، إلى الكفر الذي أنقذهم الله - تعالى - منه .

وإنما أسند - سبحانه - هذا التمني الذميم إلى الكثرة منهم ، انصافًا للقلة المؤمنة التي لم ترتض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله إلى الإِسلام .

وقوله تعالى: { بَعْدِ إِيمَانِكُمْ } مبالغة في ذمهم بسبب ما تمنوه وأحبوه إذ ودوا - وهم أهل كتاب - أن يحل الكفر محل الإِيمان ، وفيه إشعار بأن ما تمنوه بعيد الحصول؛ لأن الإِيمان متى خالطت بشاشته القلوب ، منع صاحبه من الانتقال إلى الكفر .

ثم بين - سبحانه - أن الذي حملهم على هذا التمني الذميم هو الحقد والحسد ، فقال تعالى: { حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } أي: أن هذا التمني لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذي استولى على نفوسهم ، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإِيمان ويتمنون التحول عنه إلى الكفر ، فالجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة ، من محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت