فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 321

من الممكن أن يفهم المرء ـ من ناحية مهنية ـ الجوقة الإعلامية التي صاحبت رحيل بابا الفاتيكان يوحنا بولص الثاني؛ ومن الممكن فهم اهتمام دوائر الإعلام الغربية بالخبر ومجرياته ؛ ومن الممكن كذلك أن يتفهّم المرء- من ناحية مهنية أيضًا- أن يشغل خبر موت البابا مساحته الاعتيادية والمعقولة في إعلامنا العربي والإسلامي.لكن الأمر المحير الذي لا يمكن فهمه أو تفهمه- على الأقل- هو تلك الحالة المرضية من الهوس التي صاحبت مراسم وفاة البابا القديم وتنصيب آخر جديد.

لقد أفلحت الدوائر الكنيسة الغربية في جعل موت البابا حدثًا (دراميًا) يقض مضاجع العالم, ونجحت كذلك في جرجرة الإعلام العربي - بصورة غريبة- لنقل ذلك الحدث (الحياتي) اليومي بشكل لصيق ومتابعة حثيثة.

وللأسف أخذ إعلامنا المحلي نصيبه الموفور من موجات الهوس الذي عمت العالم العربي, فامتلأت الصحف المحلية وعلى صفحاتها الأولى والأخيرة بصور البابا ومراسم التشييع والتنصيب.

وقد كان الظن أن تنتهي تلك الموجة برحيل البابا القديم لكننا نفاجأ بموجة أخرى جديدة مهووسة بالمراسم الخاصة بتنصيب البابا البديل كأنه بابا العالم لا بابا الفاتيكان. وغرق إعلامنا المحلي في نفس الموجة وهو يشهد بكل عيونه رحيل وطن ذو سيادة ووحدة وهوية اسمه السودان.

إن هذا المشهد الحزين لساحة الصحافة المحلية والعربية يعكس حالة الخواء الذي تعيشه العقليات القابعة خلف محركات الإعلام ويؤشر لتغلغل غربي وكنسي كبير في لُحمة نسيجنا القيمي والسلوكي الخاص.

إن الاجتياح ( الاستعماري) لأي أمة من الأمم لا ينجح- بتفوق- إلا إذا ابتدأ بخلق حالة أُلفة مع الثقافة الوافدة بداية على مستوى المفاهيم والمصطلحات.لقد كان البعض ينزوي خجلًا ويلفه الغيظ إن ردد الإعلام وصف ( المُلا) لكنه الآن يلوك بطرب لفظ ( البابا) .

إن الهزيمة على الأرض لا تبدأ بالانسحاب منها لكنها تبدأ بالانسحاب من الذات والارتماء في أحضان الآخر. وعندما تبدأ هذه الحالة في وطن، تغيب القضايا الداخلية الملحة ويصير الإعلام إحدى أسلحة الغزو.

إدريس جالو*

التنصير في غرب إفريقيا.. إتحاد السيف والصليب!! يخطئ من يظن أن الحرب بين الإسلام وأعدائه قد وضعت أوزارها، كما يكون مخطئا من يتصور أن أعداء الإسلام قد سكتوا عنه، بعد أن تحالفوا ضد أهله فغلبوهم، وقسموهم إلى أمم بعد أن كانوا أمة واحدة، فالحقيقة أن أعداء الإسلام يدبرون ليل نهار لمحاربته، ويعتقد المنصرون أن الإسلام هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا، فقد قدم المنصرون في إفريقيا للتلاميذ في المدارس لاسيما في عهد الإستعمار مبادئ هدامة، وذلك لما يعلم المنصرون من خطر هذا الدين على مخططاتهم التي يرسمونها على أساس قتل معاني الإنسانية؛ حتى تموت مشاعر الناس ويضيع وجودهم، فالتنصير بدأ في غرب إفريقيا بمجيء الأوربيين اليها، وقد مرت عملية التنصير في تلك المنطقة بثلاث مراحل أساسية وهي كما يلي:-

المرحلة الأولى من (1445-1790) :

فهذه المرحلة بدأت على يد البرتغاليين، وهي أول دولة نالت إستقلالها في غرب أوربا، وبعد أن اكتملت وحدتها السياسية وضعت لها أهدافا للسيطرة على إفريقيا، ومن هنا بدأت في الكشوفات الجغرافية للاستفادة من الذهب الذي سمعت كثيرا بأنه يوجد في إفريقيا، وكذلك بجانب دافع التنصير؛ والذي كان هدفا هاما للقضاء على المسلمين في الأندلس وشمال إفريقيا، وقد اهتم (هنري الملاح) ولي عهد البرتغال بجمع المعلومات الجغرافية لبدء مرحلة الكشوف الجغرافية، كما وصف هذا الأمير بأنه كان كاثوليكيا متعصبا ومتحمسا لنشر النصرانية على المذهب الكاثوليكي.

كانت أوربا قد أحست بأن القضاء على المسلمين بعد الحروب الصليبية ليس بالأمر السهل، ولذلك فكرت بالسيطرة الإقتصادية والسياسية والعسكرية على المسلمين حتى تتمكن من هزيمتهم ونشر النصرانية بينهم، لذلك كان التنصير هدفا بارزا من أهداف الكشوفات الجغرافية.

وبناء على ذلك أصدر البابا في روما قرارا لدولة البرتغال بأن تبدأ مرحلة التنصير، وأنه على استعداد بأن يرسل مع كل سفينة مبشرين للقيام بهذه المهمة، ولذلك أخذت كل سفينة متجهة إلى غرب إفريقيا عددا من القسس لنشر المسيحية هناك، خاصة على المذهب الكاثوليكي، ومن هنا بدأ العمل التنصيري في غامبيا وغينيا بيساو وسيراليون وغيرها من مناطق غرب إفريقيا، وفي هذه المرحلة برزت عدة نتائج تميزت بخصائص أهمها:-1/ارتبطت البعثات التنصيرية بالنظام الملكي الحاكم في البرتغال، وهي تخرج بأمر الملك وتعتمد في تمويلها على الدولة.

2/ اعترض المنصرون عوائق اللغة والطقس والأمراض ومقاومة السكان لهم في كثير من الأحيان

3/ عدم استجابة القبائل الإفريقية للحملات التنصيرية بتعارضها مع ما يدينون به، كما أن الإنسان الإفريقي لم يرغب في النصرانية حيث نظر إليها على أنها ديانة الرجل الأبيض المتكبر، الذي يظن أنه أحسن منهم.

4/ كان الإسلام عائقا وسدا منيعا أمام حركة التنصير الصليبية؛ حيث أن الإسلام كان ثابت الأركان داخل القارة.

تميزت هذه الفترة باحتكار البرتغاليين للتنصير إلى أن دخل العنصر الإسباني الآخر، وبدأ دورهم التنصيري في منطقة غامبيا، ولكنهم لم ينجحوا في مهمتهم للأسباب المذكورة أعلاه، إضافة إلى مضايقات البرتغاليين لهم؛ إذ اعتبروهم جواسيس وأنهم لم يأتوا للتنصير وإنما لأسباب أخرى، وعندما شعر البابا بخطورة الخلاف بين الدولتين أصدر قرارا بابويا بأن ينحصر نشاط البرتغال التنصيري في شرق المحيط الأطلسي، وأن ينحصر النشاط الإسباني في غرب المحيط الأطلسي.

وهذه المرحلة لازمها الفشل في غرب إفريقيا على الرغم من طول الفترة.

المر حلة الثانية1790-1840م:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت