في أول رحلة إلى أمريكا الجنوبية لبابا الفاتيكان الجديد بنديكت السادس عشر وصل إلى البرازيل وسط حفاوة وتغطية إعلامية تذكرنا برحلات البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، وحشدت له هناك - كما هي العادة مع البابا الراحل - أعداد هائلة من الجماهير في كل المناسبات التي حضرها، بينما ملأت الاحتفالات كل الأمكنة، واستغلت الكنيسة الفرصة لتقوم بنشاطات واسعة النطاق، وكان من أبرز تصريحات البابا قوله: إنه سيعيد بناء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا الجنوبية، وهو تصريح له أهميته البالغة على أكثر من صعيد، فهو يوحي بأن فورة النشاط السياسي الذي كانت تمارسه الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا الراحل سوف تستمر، لأن البابا بنديكت عندما يتحدث عن إعادة بناء الكنيسة فهو لا يتحدث عن إعادة بناء كنائس تهدمت، أو إعادة هياكل تنظيمية دب فيها الاضطراب، وإنما يتحدث بالأساس عن تنشيط لدور الكنيسة ليس في المجالات الطقسية الدعوية المعتادة؛ وإنما في المجال الحياتي العام بأبعاده الاجتماعية والسياسية، وهو يقصد هذا المجال بالتحديد لأنه هو الذي تعرض ويتعرض الآن إلى تحديات ومطالب عديدة.
وأبرز هذه التحديات هو التقدم الكبير الذي تحققه الكنائس البروتستانتية القادمة من أمريكا الشمالية على حساب الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا الجنوبية (كما تفعل هي في روسيا، وأوروبا الشرقية؛ على حساب الكنائس الأرثوذكسية) في مجال كسب الأتباع، والنشاط التبشيري، وسط بروز إعلامي كبير، وباستخدام الأدوات الفعالة في الدعاية.
ويشعر البابا الحالي وكنيسته بخطورة هذا التحدي في منطقة كانت تعد تقليديًا مقصورة على الكنيسة الكاثوليكية، لكن إعادة بسط سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على أمريكا الجنوبية باعتبارها الكنيسة الوحيدة أو على الأقل الأكبر هناك هو أمر ينطوي على تعقيد آخر، فالكنائس البروتستانتية العاملة هناك تحظى بدعم سياسي كبير من جانب الولايات المتحدة، ودوائرها السياسية والمدنية؛ ليس على الأساس العقائدي والمذهبي وحده، وإنما على أساس أن هذه الكنائس سوف تعمل على رد الجميل بمساعدة السياسة الأمريكية في وجه التيارات اليسارية الجديدة الصاعدة في أنحاء القارة الأمريكية الجنوبية، والتي عبّرت عن نفسها في أمكنة مثل فنزويلا وغيرها، ومن خلال سياسات كتأميم البترول، ومخالفة سياسات أمريكا الخارجية؛ لاسيما في مجالات الاقتصاد والعولمة، والسيطرة على الموارد الطبيعية وغير ذلك.
ووسط هذا السياق يأتي تدخل البابا وهو رئيس الكنيسة الكاثوليكية لكي يحاول استعادة أوضاع كنيسته من خلال العودة إلى ما كان يحدث في الثمانينيات وما قبلها في القرن العشرين، عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية هي التي تلعب نفس الدور المساعد للسياسة الأمريكية ليس فقط في مواجهة الحركات اليسارية والثورية المسلحة في ذلك الوقت؛ وإنما أساسًا في وجه حركات ثائرة داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، سعت إلى التحالف مع اليسار الثوري في ذلك الوقت تحت مسمى لاهوت التحرر، ويبدو أن البابا بنديكت يريد إعادة إحياء هذا الدور مرة أخرى، وإعادة إحياء التعاون مع السياسة الأمريكية في أمريكا الجنوبية، أو إعادة التأكيد عليه في محاولة للالتفاف حول تصاعد أوضاع ووجود وأحجام التيارات البروتستانتية الواردة إلى القارة في ظل مساعدة ضخمة من أمريكا الشمالية.
غير أن البابا في محاولته المعلنة لإعادة بناء الكنيسة لا يستهدف فقط مواجهة المنافسين من جانب الكنائس البروتستانتية، وإنما كذلك تثبيت أوضاع ووجود الكنيسة الكاثوليكية ذاتها في وجه التطورات في القارة التي تجعلها بعيدة الصلة عن الأحداث، ومعزولة عن الحياة العامة للمجتمع هناك بسبب الضعف، وعدم القدرة على المواكبة، وعدم القدرة على طرح رؤى ومشاريع وأفكار تلبي احتياجات الواقع الأمريكي اللاتيني.
إن حديث البابا بنديكت عن إعادة بناء الكنيسة يستهدف بالتحديد هذا الخطر المحدق بكيان الكنيسة ذاتها، والذي لا يأتي من الكنائس البروتستانتية؛ وإنما من جانب قوى سياسية صاعدة ليست في شكل حركات تمرد، وثورة، وعنف؛ يمكن محاصرتها، ووضعها بالهامشية، وإنما في شكل حركات سياسية واجتماعية حاشدة تدخل اللعبة السياسية من خلال الانتخابات، وتحوز ثقة المجتمع، وهذا التحدي بالذات لا تستطيع الكنيسة الكاثوليكية مواجهته بسهولة كما فعلت منذ أكثر من ربع قرن مع لاهوت التحرر، ومع الحركات الثورية اليسارية، أو مع ما يمكن أن تفعله مع تحدي التبشير البروتستانتي الذي تستطيع مواجهته بنوع من الالتفاف، واستغلال الانتهازية التي تتسم بها السياسة الخارجية الأمريكية.