فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 321

ثم التقط بوش ثانية عبارة فوكوياما عن الأصولية الإسلامية الفاشية فقدم عبارته الشهيرة ليتحدث عن"فاشية إسلامية"، وبعدها وظف تصريحات البابا لصالحه، حيث قال: إن كلمات البابا تأتي في سياق الحرب ضد الإرهاب، وها هو بينيديكت السادس عشر قدم بتصريحاته شرعية دينية ستجد صداها في تعامل المسيحيين مع الإسلام والمسلمين في العالم، خاصة في المجتمعات الغربية، وتعطي الراية لليمين المحافظ الذي يتصاعد بريقه في أوروبا، خاصة في أوساط النخب الحاكمة والقوى السياسية والاجتماعية، والذين يرون العالم بمنظار الرئيس بوش إما هم وإما نحن، وأن الغرب لم يهاجم الإسلام وإنما هم الذين هاجموا الغرب الذي عليه الدفاع عن نفسه، وهذا يجعل المواجهة مع الإسلام مفتوحة على كل الصعد.

الظاهر أن البابا يواجه تحديات عديدة في عمله البابوي على أكثر من صعيد، وهو ما انعكس بصورة أو بأخرى على تصرفه غير اللائق والبعيد عن الحكمة والعدالة، وبالضرورة تبرز هنا قضية التعاطي مع ما يراه المراقبون المحافظون في الغرب من صعود الإسلام وانتشاره في المجتمعات الغربية، وقد شكل هذا الموضوع محور العديد من المقالات والتقارير في الصحف والمنابر المسيحية المحافظة التي دعت صناع القرار والرأي العام في أوروبا إلى استعادة القيم المسيحية، والارتداد إلى تعاليم الكنسية، أمام موجة"التأسلم"في أوربا معقل الكاثوليكية الذي يتهاوى مع عزوف الغربيين عن الكنيسة، وتزايد موجات الإلحاد في العالم الغربي، وهو ما يؤشر على تقهقر الكنيسة الكاثوليكية، وتراجع أتباعها.

والبابا في ذلك يعد من أشد المدافعين عن العقيدة الكنيسة، ويؤكد على ثوابتها الأخلاقية، فقد أمضى قرابة العقدين في أروقة الفاتيكان، وشغل منصب عميد كلية الكرادلة، ورئيس التجمع من أجل ميثاق الإيمان، ولذلك فهو يعتبر من المتشددين فيما يخص بالمذهب الكاثوليكي.

وخلال خدمته في الفاتيكان عرف بلقب"الكاردينال لا"أي المعارض، حيث كان يعارض أي تطورات تحريرية داخل الفاتيكان والمذهب الكاثوليكي، رغم أنه كان يوصف بأنه ليبرالي خلال فترة الستينيات من القرن العشرين عندما عمل كمستشار لمجلس الفاتيكان الثاني، إلا أنه تحول لاحقًا ليصبح أشبه بشرطي يقوم على حماية الحدود العقائدية للمذهب الكاثوليكي.

وهذا التخوف يمكن فهمه عبر شقين: الخوف من العلمنة الغربية، بمعنى تصاعد المادية، وتزايد الإلحاد، والبعد عن الدين في الغرب، مع تزايد العداء من جانبها للمعتقدات الدينية والسخرية منها وخصوصًا الكاثوليكية، وهو ما انعكس في رفض الاتحاد الأوربي طلب البابا النص على الجذور المسيحية لأوروبا في دستورها الموحد، وجانب من هذه الأسباب متعلق بضعف الكنيسة في أمريكا وأوروبا، وانتشار فضائح القساوسة الجنسية في النمسا وأيرلندا والولايات المتحدة.

والثاني: مجابهة الانتشار الإسلامي الذي أصبح يشكل تحديًا من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية الغربية ومستقبلها، وهو ما يتطلب نوعًا من المنافسة لجذب الأتباع أمام موجة الإلحاد والمادية التي طغت على العالم، ويبدو أن البابا في محاضرته"الأكاديمية"لم يستحضر موقف ذاك الإمبراطور من الإسلام إلا من أجل استحضار الروح الأوروبية في العصر الوسيط، وإدخالها في العقل الأوروبي حاكمًا ومحكومًا.

إذن هل رئيس الكنيسة البابوية يتقبل الإسلام ويتوافق معه؟

لا نبالغ إذا قلنا بأن البابا غير متوافق إلى حد ما مع الإسلام، وهذا ما يخلص له المراقب العادي للأزمة الراهنة، ونضيف بأن هناك مؤشرات تدلل على ذلك، فقد سبق له أن اعترض لأسباب دينية على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي، ووصف ذلك بأنه"خطأ فادح"، و"قرار مخالف للتاريخ"على حد زعمه، كما أنه طالب البابا الراحل يوحنا بولس الثاني حينما زاد وطيس النقاش حول الدستور الأوروبي الموحد على أن ينص هذا الدستور إلى مسألة الجذور المسيحية للقارة الأوروبية هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان هو ذاته قد ألقى كلمة ندد فيها بكراهية اليهود أثناء منتدى عقد في نيويورك حول معاداة السامية عام 2004، لذا ليس غريبًا أن يصفه كبير حاخامات تل أبيب"مائير لاو"بأنه صديق للشعب اليهودي.

ومن المقرر أن يزور البابا الألماني المولد معبدًا يهوديًا خلال زيارته لألمانيا، وهو ما سيكون المرة الثانية التي يدخل فيها أحد البابوات مكان عبادة يهودي خلال ألفي عام، وهناك أمر واحد واضح وهو أن يوجد خلاف عقدي أصيل بين الديانتين، وأن البابا كان يفيد الحقيقة عندما أشار إلى هذه المسألة، وهذا يجعل المسلمين أكثر قناعة بأن الغرب معاد للإسلام، ومصمم على المضي قدمًا في حرب صليبية جديدة.

المرجعيات والرموز الدينية مهما كانت ديانتها يجب أن تدعو إلى التسامح والتعايش، ونبذ العنف وتجنب توجيه أي إساءات للديانات الأخرى أو أنبيائها التي تعد من المحرمات المس بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأن الكلمات هنا محسوبة، وقد تترجم إلى أعمال عنف لدى أتباعها كما شاهدنا، وفي هذا الإطار يمكن أن تسهم إساءته إلى الإسلام والمسلمين من المنطلق الكنسي في الحملة الجارية لترسيخ هيمنة مطلقة على المنطقة الإسلامية.

وهذا مؤشر خطير يطرح أكثر من علامة استفهام حول فكرة الحوار بين الأديان التي يقودها الفاتيكان، ويسهم فيها علماء مسلمون، أيضًا يستدعي ذلك التأمل في مسألة التستر بانتقاد الحركات المتشددة للطعن في الإسلام، فالبابا كشف عن أن الكراهية متوجهة للإسلام ذاته بغض النظر عن المتطرفين فيه أو المعتدلين، وهذا ليس بغريب عن البابا الحالي فهو غير متحمس للحوار بين الأديان والثقافات منذ البداية، بل يدعو إلى الحوار من زاوية واحدة تنطلق من مفاهيم الكنيسة الكاثوليكية مع قابلية استيعابها لسواها من الطوائف والكنائس المسيحية، وتعاملها وفق مبدأ الضرورة مع الأديان الأخرى كالإسلام.

يبدو أن بنديكت السادس عشر يحمل حساسية خاصة تجاه الإسلام تجلت في العديد من مواقفه السابقة، منها تصريحاته التي يعلن فيها عن تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع الإدارة الأمريكية الحالية، وهي المعروف عنها ميولها الأصولية المسيحية المتطرفة، كذلك علاقاته الوثيقة مع الحركات اليهودية، وحرصه الكبير على التودد لكل ما هو يهودي ديانة أو تاريخًا، أو ثقافة أو موقفًا سياسيًا، كذلك حشر نفسه مرارًا في التعليق على الفكر الإسلامي بدون أي معنى.

على أن أبرز ما يحوز الاهتمام هو ما يتصل مباشرة بالعالم الإسلامي للوقوف على درجة التعاون أو الصدام بين البابا وبين الإسلام، وموقفه من حوار الأديان الذي طالما شجعه البابا السابق"يوحنا بوليس الثاني".

ويبدو أن بنيديكست السادس عشر في هذا المضمار غير قادر على التعامل مع تحدي انتشار الإسلام، والتعاون معه في إطار حوار الأديان ضد العلمانيين الجدد، وبدلًا من أن يبحث نقاط الالتقاء مع المسلمين يعمل على توسيع الهوة وهو ما سيلقي بظلاله على العلاقة بين أكبر ديانتين على وجه البسيطة على المستوى العقائدي قد تصل لصدام حضاري جديد تباركه الكنيسة بعدما بدأته الولايات المتحدة، أو على المستوى الحياتي حيث سيثير العديد من التساؤلات حول وضوح الرؤية في أوروبا نحو الأقليات المسلمة الأوروبية النشأة والمنشأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت