ومعنى (الأصل) : أي القاعدة المستمرة في الشرع وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب. وسيأتي الكلام عليها في الأدلة المختلف فيها.
القاعدة الثالثة: [الأصل براءة الذمة] : أي السلامة والخلو من التكليف، فمعنى القاعدة: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل ويدل لهذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعي واليمين على من ... أنكر" [1] . ومن الفروع المترتبة على ذلك لو ادعى شخص على شخص حقًا من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل براءة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة.
القاعدة الرابعة: [الأصل في الأبضاع واللحوم التحريم] وعلى هذا لو أن الإنسان شك في هذا اللحم هل هو مذكى أو أنه لحم ميتة؟ يعني اشتبه بلحم ميتة فالأصل في ذلك التحريم، ويدل لهذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي رضي الله عنه:"فإن وجدت مع كلبك كلبًا آخر فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره" [2] وأيضًا قال - صلى الله عليه وسلم:"إذا وجدته قد وقع في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" [3] فدل على أن الأصل في اللحوم التحريم، وإذا شك أيضًا هل ذُبح هذا اللحم على الشرع أو لم يُذبح على الشرع؟ فالأصل في ذلك التحريم لكن عندنا قاعدة أخرى وهي: [أن الفعل الصادر من أهله الأصل فيه الصحة] فإذا كان هذا اللحم من مسلمين، أو من أهل كتاب فلا تسأل عن فعلهم؛ لأن الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة.
ويدل لذلك: حديث عائشة رضي الله عنها أن قومًا قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن قومًا حديثو عهد بإسلام يأتوننا باللحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"سموا الله عليه أنتم ... وكلوه". [4] أنتم مسؤولون عن فعلكم
(1) أخرجه البيهقي (10/ 252) وبعضه في الصحيحين من حديث ابن عباس"لو يعطى الناس بدعواهم= = لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه"أخرجه البخاري برقم (4552) ومسلم رقم (1711) ، وصححه ابن الملقن وحسنه ابن الصلاح، جامع العلوم والحكم (2/ 236) وحسنه كذلك ابن حجر في الفتح تحت حديث (2669) .
(2) أخرجه البخاري رقم (5475) ، ومسلم رقم (1929) .
(3) أخرجه البخاري رقم (5484) ، ومسلم رقم (1929) .
(4) أخرجه البخاري رقم (2057) .