والجواب: إن هؤلاء شرذمة قليلة كما قال بعض علمائنا، وأظنه السعد التفتازاني (1) وعبارته التي أذكرها هي:"اتفق الناس على وجود الصانع تعالى خلا شرذمة قليلة ذهبت إلى أن وجود العالم أمر اتفاقي، وهو بديهي البطلان وقد رد عليهم العلماء بالأدلة النظرية كالدليل الذي تشير إليه العبارة من أن هذا الاعتقاد يستلزم أن يكون العالم وجد بالمصادفة والاتفاق من غير فاعل يرجح وجوده على عدمه، وهذا كما قال بديهي البطلان وملزومه كذلك بالضرورة."
وإنما قلت: يستلزم ما ذكر لأن منكري الصانع من المشتغلين بالعلوم العقلية لا يقولون بالمصادفة بل ينكرونها أشد الإنكار، ولئن قال بها بعضهم فلا يقول بها كلهم، والجواب الصحيح إن هؤلاء الشذّاذ قد أصابهم مرض في عقولهم خرج بهم عن مزاج الفطرة المعتدل بالنسبة لهذه العقيدة) (2) .
وقد بين الشيخ رشيد أن وجود بعض الملحدين منذ قديم الزمان لا يعني أن عدم التدين كان هو السائد في تلك العصور وأنه لم يكن أمرا فطريا فقال: (كان الناس متدينين، وكان يكون في كل جيل منهم في كل عصر أناس من المعطلين، وأفراد من الملحدين، كما يوجد فيهم العُمْي الذين لا يبصرون والصم الذين لا يسمعون , والبكم الذين لا ينطقون {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (3) هذه حكاية القرآن عن بعض جاهلية العرب وحكى مثله عن قوم نوح أقدم من أثر تاريخهم من الأمم ولكن بعض ملاحدة عصرنا يظنون - لجهلهم بالتاريخ - أن هذا الشذوذ خاص بالفلاسفة وأصحاب الأفكار الراقية، ولهذا الامتياز الوهمي صار بعض الغوغاء يكفر بالتقليد، لينتظم في
(1) السعد التفتازاني: هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازانى، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق ولد بتفتازان من بلاد خراسان وأقام بسرخس عام 712هـ وتوفي في سمرقند من كتبه تهذيب المنطق و المطول في البلاغة و مقاصد الطالبين في الكلام و (إرشاد الهادى في نحو، و شرح العقائد النسفية وشرح التصريف العزي في الصرف وهو أول ما صنف من الكتب، وكان عمره ست عشرة سنة توفي سنة 793هـ انظر: الأعلام للزركلي 7/ 219.
(2) مجلة المنار 2/ 524.
(3) سورة الجاثية آية 24.