فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1074

وإذا أردنا أن نقيس الحياة المادية على الحياة الدينية قياسا صحيحا كان من الحق علينا ألا نأخذ في هذه المقارنة بالمقاييس السطحية -التشابه اللفظي الأجوف- بل ننظر إلى جوهر الأشياء وأعماقها فنقول: إن معنى التطور في الفنون - كما في كل كائن حي - هو أنها تبدأ في صورة ساذجة متحدة متجانسة ثم تنتقل تدريجيا إلى نوع من التكثر والتركيب تزداد به تعقيدا كلما بعدت عن أصلها وتطبيق هذا القانون على العقيدة الإلهية يستلزم أنها سارت أيضا من الوحدة إلى الكثرة ومن النقاوة واليسر والسهولة إلى التعقد والأسطورية والنزوات الخيالية التي يمجها العقل السليم (1) .

فهذا القياس يكذبه الواقع إذ أن كثيرا من الناس بلغ حضيض الإلحاد وهو أحط ما يكون من الناحية الدينية ونرى أن الناس قد بلغوا مبلغا كبيرا في التطور المادي فلو كان هذا القياس صحيحا للزم أن يكون الناس على التوحيد لارتقائهم العلمي المادي.

وأما ما ذهب إليه الشيخ رشيد من تفسير الفطرة بأنه الاستعداد للخير والشر فهذا يدل على أن الناس خلقوا مستعدين للأمرين دون ميل إلى أحدهما وخير الخير هو توحيد الله تعالى وشر الشر هو الوثنية والشرك بالله.

فالذي يظهر, أن المراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر.

وهذا القول غير صحيح لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإسلام وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال على حسب هذا

(1) انظر كتاب الدين لدراز ص 109 - 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت