وذكر رحمه الله أن كثيرا من النصارى قد قبلوا بتلك العقيدة لمجيئها في كتبهم المقدسة, لا لموافقتها للعقل فيقول: (اعترف أمامنا كثير من الذين قالوا إنهم نصارى بأن كلا من هذه العقيدة وعقيدة التثليث لا تعقل, وإن العمدة في إثباتهما عندهم النقل عن كتبهم المقدسة, فلما كانت تلك الكتب ثابتة عندهم وجب أن يقبلوا جميع ما فيها, سواء عقل أم لم يعقل, ويقول بعضهم إن كل دين من الأديان فيه عقائد وأخبار يجزم العقل باستحالتها, ولكنها تؤخذ بالتسليم) (1) .
وبالفعل, فقد صرح كثير من النصارى بذلك من الذين مجت عقولهم فكرة صلب الإله لأجل الفداء, ولم تستسغها قلوبهم, فاهتدوا إلى الصراط المستقيم.
يقول عبد الأحد داود - الذي كان نصرانيا فأسلم - عن صلب المسيح: (لقد تتبعت مسألة صلب المسيح قبل عدة سنين، ورأيت في هذا الباب ما يستوجب الحيرة ... ولقد كانت نتيجة تتبعاتي وتحقيقي أن اقتنعت وأيقنت أن قصة قتل المسيح عليه السلام وصلبه ثم قيامه من بين الأموات قصة خرافية) (2) .
ويقول إبراهيم خليل أحمد عن الفداء: (إن فكرة الاستعاضة أو الضحية العوضية غير معقولة ولا معنى لها بل وظالمة ونحن لا نجد أي ارتباطات بين الخطيئة والدم وإن ما هو ضروري لتطهير الإنسان من الخطيئة ليس هو الدم ولكن التوبة الصادقة وتأنيب الضمير والمثابرة على الجهاد ضد الميول الشريرة وتنمية الشعور بالرحمة) (3) .
ولو اعتبرت المسألة المذكورة كواقعة تاريخية لما كان لها من أهمية دينية فقط, لأن الكثير من الأنبياء العظام قد ارتحلوا إلى دار البقاء بجريمة القتل, ولو كان المسيح صلب وقتل حقيقة لما عد ذلك واقعة فوق العادة ولا شيئًا فوق الإمكان , فقد قتل شهيدًا من قبل بأيدي الكفار كل
(1) تفسير المنار 6/ 22.
(2) الإنجيل والصليب.
(3) الغفران بين الإسلام والمسيحية ص 117.