فهرس الكتاب
ثم قال: (وهكذا كانوا, كلما وجدوه أنكروه وخانتهم أبصارهم في رؤيته وعمي عليهم واشتبه منظره - وخيانة النظر ثابتة قطعًا - ,فلما أعيتهم الحيل استأجروا يهوذا الإسخريوطي بثلاثين درهمًا ليدلهم عليه لتمكُّّّنه منه فلا يشتبه عليهم، وهذا في الإنجيل أيضًا فهذه الحيرة المفضية إلى استئجار دليل يدل عليه مع ملاحظة أنه رُبِّيَ في وسطهم وكانوا يعجبون بفصاحته وحكمته كما هو وارد في الإنجيل أيضًا تدل بأجلى بيان وأوضحه على أنهم كانوا في شك منه، وكان يشبه لهم بغيره فكلما اجتمعوا عليه اشتبه عليهم وعمي في نظرهم وخانتهم أبصارهم وظنوه غيره وما حصل لهم حصل لدليلهم"يهوذا"وقد ورد في الإنجيل أنهم حينما ساقوه للصلب كانوا يستحلفونه: هل أنت المسيح؟ فكان يقول: هذا ذا(1) فمنه يعلم أنهم كانوا لم يزالوا في شكهم حتى بعد الاستئجار ووجود المرشد والدليل، فلما أعياهم الأمر عمدوا إلى مَن غلب على ظنهم أنه هو المسيح ... ثم صلبوا ذلك الرجل الذي كانوا يستحلفونه، وغلب على ظنهم أنه هو المسيح) (2) .
وهذا مما يؤكد أن شبّه عليهم فلم يعد يعرفونه, فاحتمال وقوع الشبه أمر وارد بنصوص كتبهم, فإذا كان اليهود لا يعرفونه, فاحتمال وقوع الصلب على غيره أمر وارد.
ولو قال قائل: إنهم كانوا لا يعرفون المسيح عليه السلام فلذلك استأجروا -يهوذا -
فنقول: كان المسيح عليه السلام يأتي إلى الهيكل منذ أن كان صغيرا مع أمه العذراء, حيث إنه كان لها موضع خاص في الهيكل السليماني تعبد الله فيه, وهو أيضا كان بعد ترعرعه يأتي إلى الهيكل, وقد أثبتت الأناجيل واقعة حدثت له وهو ابن اثني عشر سنة (3) واستمر على
(1) ورد في إنجيل متى متى 26/ 63 أن عظيم الكهنة سأله بعد القبض عليه فقال"أستحلفك بالله الحي لتقولن لنا: هل أنت المسيح ابن الله الحي فقال له: أنت قلت"فلم يجبه بأنه هو المسيح فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: نعم ولم يستجز أن يوري في الجواب وهو يحلف بالله الحي فكيف يتجشم لشيء ثم يكتمه. انظر: تخجيل من حرف التوراة والإنجيل 1/ 341.
(2) مجلة المنار 6/ 117.
(3) لوقا 2/ 39 - 51.