3-بين الشيخ رشيد رضا أن قولهم بأن النبوة قد تكون كسبية من أبطل الباطل وبين (أن أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا يتخرجون من مدارس خاصة تعلمهم تفسير التوراة والموسيقى والشعر وأنهم كانوا شعراء ومغنين وعزافين على آلات الطرب وبارعين في كل ما يؤثر في الأنفس ويحرك الشعور والوجدان ويثير رواكد الخيال فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل ... فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها في المدارس ويستعان على الإقناع بها بالتخييلات الشعرية والإلهامات الكلامية والمؤثرات الغنائية والموسيقية والمعلومات المكتسبة فأين هذا من نبوة محمد الأمي الذي لم يتعلم شيئا ولم يقل شعرا وقد جاء مفردا بأعظم مما جاؤوا به كلهم أجمعون مجتمعا) (1) .
وعلى هذا فإن نبوة الأنبياء عندهم كسبية يستطيع أن يصل إليها الإنسان بمجرد تخرجه من تلك المدارس ثم يدعي الإلهام ثم إن هؤلاء الخريجين يتفاوتون في الوصول إلى درجة كمال النبوة وذلك بحسب الاستعداد النفسي لكل واحد منهم يقول ابن ميمون (2) (ومعلوم أن ... كمال القوة الناطقة بالتقدم وكمال القوة المتخيلة بالجبلة وكمال الخلق بتعطيل الفكر في جميع اللذات البدنية وإزالة الشوق لأنواع التعظيمات الجاهلية الشريرة يتفاضل الكاملون تفاضلا كثيرا جدا وبحسب التفاضل في كل غرض من هذه الأغراض الثلاثة يكون تفاضل درجات الأنبياء كلهم) (3) .
فالرؤى والأحلام بحد ذاتها لا يعد راويها من الأنبياء إن لم يكن معه ما يثبت صدق نبوته.
(1) الوحي المحمدي ص 59.
(2) موسى بن ميمون الاسرائيلي الاندلسي، القرطبي (أبو عمران) ولد عام 529هـ طبيب، حكيم، رياضي، عالم بشريعة اليهود واسرارها ولد، وتعلم في قرطبة، وتنقل مع أبيه في مدن الاندلس وتظاهر في الاسلام، فحفظ القرآن، وتفقه بالمالكية ودخل مصر، فعاد إلى يهوديته، فكان رئيسا روحيا لليهود في الديار المصرية له كتب مها: دلالة الحائرين والفصول في الطب توفي عام 605هـ. انظر: معجم المؤلفين3/ 398.
(3) دلالة الحائرين لابن ميمون ص 404.