وقد بين الشيخ رشيد أنه ليس كل ملهم نبيا أو مرسلا (1) وذلك (لأن الإلهام هو تخايل يقع في القلب قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان وليس على أحدهما دليل يدل عليه ولأن من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعي خلافه فإنه إذا قال: ألهمت بكذا فيقول خصمه: وأنا ألهمت بكذا فكان العمل به عملا بلا دليل) (2) .
فما يحصل للنفس من إلهام ليس له مورد واحد، بل عدة موارد، فقد يرد عليها الإلهام من الله تعالى، وهنا لابد من أهلية صاحبها وتقواه وصدق إخلاصه لربه وصفاء توحيده.
وقد يرد عليها الإلهام من وساوس الشياطين إذا كان صاحبها لائقًا بذلك بعيدًا عن الله (3) ثم إن أصحاب هؤلاء الصنف الثاني قد لا يتورع أحدهم في نسبة تلك الوساوس إلى الله تعالى فما أسهل الكذب على الفاجر!.
ويؤيد ذلك ما جاء في بعض نصوص الكتاب المقدس التي تنص على أن مصدر النبوة هو الأرواح الشريرة وليس إله إسرائيل كما ورد في سفر صموئيل الأول (وكان في الغد أن اعترى شاول الروح الشرير من لدن الله فأخذ يتنبأ داخل بيته) (4) .
وكذلك ما ورد في سفر هو شع (ليعلم إسرائيل أن النبي غبي ورجل الروح مجنون) (5) .
وهذه الأوصاف المقذعة أطلقوها فيحق الأنبياء لأنه ليس لديهم ما يعتمدون عليه في التفريق بين النبي الصادق من النبي الكاذب.
فدلائل صدق النبي عندهم لا يتطلب أكثر من ادعاء الإلهام ولذلك خصصوا مدارس خاصة يكونون خريجيها أنبياء المستقبل - كما سيتبين فيما يلي -.
(1) مجلة المنار 4/ 252.
(2) درء تعارض العقل والنقل 8/ 29.
(3) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام 2/ 777.
(4) صموئيل الأول 18/ 10.
(5) هوشع 9/ 7.