وقد أشار إلى أن معنى جلوسه إلى الأبد هو بقاؤه الروحاني على نفوس أهل الإيمان الحق بعبودينه ونبوته لله تعالى فهو وإن بقي جالسًا على كرسي داود المعنوي إلى الأبد إلا أنه سيكون مع ذلك تابعًا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إذ لا منافاة بين هذا وذاك (1) وذلك لأنهم يؤمنون بأقواله التي بشر فيها بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
يقول ابن كثير رحمه الله: (فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق -كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض-إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا) (2) .
فالمسيح عليه السلام باق في قلوب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم كسائر الأنبياء ومن كفر بالمسيح أو غيره من الأنبياء فهو خارج من دائر الإسلام (3) .
وقد أشار الشيخ محمد توفيق إلى معنى آخر وهو أن بقاء ملك المسيح مشروط باستقامتهم فقال (ويجوز أن نقول في هذه العبارة مثل ما يقولون هم في وعد الله لسليمان بتثبت ملكه إلى الأبد(4) وفي بقاء أورشليم عامرة إلى الأبد (5) إن ذلك مشروط باستقامة بني إسرائيل وحفظهم لعهد الله وشريعته كما في سفر أخبار الأيام الثاني (6) فزوال الملك من اليهود وعدم تملك المسيح عليهم وعدم دوام ملكه الدنيوي فيهم إلى الأبد وخراب أورشليم إنما نشأ من كفرهم وعصيانهم وخروجهم عن طاعة الله فلو أنهم آمنوا به واتبعوه لبقي ملكهم الدنيوي
(1) مجلة المنار 15/ 352.
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 48.
(3) انظر مبحث وسطية المسلمين في المسيح عليه السلام ص.
(4) الأيام الأول 22/ 10.
(5) أرميا 31/ 40.
(6) 2 أيام 7/ 18 - 22.