وبالفعل فكل مناظرات الشيخ رشيد ومجادلاته مع النصارى لا تكاد تجد فيها كلمة تخرج عن دائرة أدب العلماء, فضلا عن وجود الشتيمة للنصارى أو عقائدهم, وهذا يدل على حكمة الشيخ رشيد وحنكته إذ أن الجاهل قد تأخذه العزة بالإثم فينفر عن هذا الدين, ويناصب أهله العداء, بسبب كلمة جارحة, أو شتيمة لا غرض من ورائها إلا التشفي, قيلت فيه, أو في دينه.
ومن هنا, حرص الشيخ رشيد رحمه الله على تهذيب كل ما ينشر في المنار من مقالات علماء المسلمين في ردهم على الديانة النصرانية, فمن ذلك مثلا ما يتصرف فيه الشيخ رشيد في مقالات أحد كتاب المنار (1) التي كانت تتسم بالقوة في أسلوبها, فيقول الشيخ رشيد: (فغاية ما يمكن أن يكتبه المسلم هو النقل من كتبه الدينية أو كتب أحرار الأوربيين بشرط إظهار البراءة من كل ما لا يليق بكرامة المسيح أو غيره من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والتصريح بأن نقل ما ذكر من باب ناقل الكفر ليس بكافر وهي التي اضطر إليها بعض من كتب في المنار، وكتابة التنير من هذا الباب، وإنني حبًّا في النزاهة والأدب، وكراهة للشعريات في المناظرة والجدل، عملًا بقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2) قد نقحتها، فإذا كان قد بقي فيها كلمةً شاذةً ككلمة الثالوت الزنائي في سياق قصة ولادة سليمان عليه السلام، فإنما ذلك من السهو الذي يظهر بما نبين من سببه، وهو أن الكاتب جعل عنوان مقالته"الثالوث الزنائي المقدس"وصدر الكلام في كل قصة من القصص الثلاث التي نقلها من التوراة بقوله:"الأقنوم الأول من الثالوث الزنائي المقدس"إلخ، وكان يختمها بمثل هذه الكلمة، ويكررها في أثناء العبارة، فشطبنا كل هذه الكلمات لأن فيها امتهانًا لاصطلاحات محترمة ... وجعلنا مكان كلمة الأقنوم كلمة الجد، وحذفنا لفظ الثالوث من العناوين ومن تضاعيف الكلام) (3) .
(1) وهو محمد طاهر التنير وستأتي ترجمته.
(2) سورة العنكبوت آية 46.
(3) مجلة المنار 17/ 188.