بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (1) وقال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } (2) وقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (3) نرجع إلى النظر فيما جرى عليه السلف الصالح في ذلك أي في معاملة مخالفيهم في الدين، نجد أنهم جعلوا لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لا فرق بين المسلم وغيره في الحقوق، انظر إلى ما قاله الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص فاتح مصر حينما تسابق ابنه مع ابن القبطي فسبقه فلطمه ابن عمرو وافتخر عليه بآبائه، فلما بلغ ذلك عمر رضي الله عنه أرسل إليه يهدده ويقول له:"متى استعبدتم الناس يا عمرو وقد ولدتهم أمهاتُهم أحرارًا"وحكم عليه بأن يرضي القبطي أو يقتص منه (4) ... فعلى رجال الدعوة والإرشاد الذين قد أخذوا على عواتقهم هذه الأمانة وعاهدوا الله عليها - وهي إرشاد المسلمين إلى أوامر دينهم ودعوة غيرهم إليه - أن يظهروه في ثوبه الحقيقي، وأن يجعلوا نصوص الكتاب والسنة وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح أمام أعينهم ليسيروا عليها، وليفطنوا لمقاصد الدين التي جاء إليها، وهي إصلاح نفوس البشر وتحليتها بالفضائل، وتطهيرها من الرذائل لتكون أهلًا لجوار الله تعالى في الآخرة ... ) (5) .
ومن هذا المنطلق سار الشيخ رشيد في جداله مع النصارى, وهو الجدال الذي يبعد عن الأمور التي تنفر من قبول الحق, فيقول: (إننا نحمد الله تعالى أن جعلنا من دعاة الوفاق ومن محبي الأدب والنزاهة، وإنه ليسوءنا ويحزننا أن نقع في سهوٍ أو غلط ينافي ذلك ويعارضه، وإذا عثرنا نسارع إلى التوبة والندم ونتلافى ما يمكن تلافيه بما تحمله الطاقة وتناله الاستطاعة) (6) .
(1) سورة آل عمران آية 159.
(2) سورة البقرة آية 256.
(3) سورة العنكبوت آية 46.
(4) انظر: فتوح مصر وأخبارها ص 182.
(5) مجلة المنار 15/ 554.
(6) مجلة المنار 17/ 188.