فهرس الكتاب
فالمسلمون أنزلوا المسيح عليه السلام المنزلة اللائقة به فلم يفرطوا فيه ولم يغمصوه حقه مع اعتقادهم أن الكفر بالمسيح عليه السلام هو ردة عن الإسلام ومروق منه (فمن كفر بنبي واحد فهو كافر ومن سبه وجب قتله باتفاق العلماء) (1) .
وبالمقارنة مع منزلة المسيح عليه السلام عند النصارى نجد أنه على الرغم من زعمهم ألوهية المسيح وغلوهم فيه إلا أنهم وقعوا في تناقض عجيب في وصفهم للمسيح إذ وصفوا معجزاته تلك بأنها أدلة على ألوهيته وربوبيته وأنها أعمال إلهية (2) ووصفوه أيضا بما يضاد ذلك وهو وصفهم له بأنه لعنة فكيف يصير الإله لعنة ومن المعلوم أن الإله هو الذي يلعن - نعوذ بالله من لعنته وغضبه - لا أن أيكون هو لعنة.
وقد نقل الشيخ رشيد رضا مقالا لأحد الكتاب (3) بين فيه ذلك بقوله:
(قال مقدسهم بولس في رسالته إلى أهل غلاطية:"المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة"(4) يعلم الناس أن النصارى يعتقدون أن المسيح هو إلههم وربهم وخالقهم ومخلصهم، وكتابهم المقدس يلقنهم أنه صار لعنة واللعنة غاية المبالغة في الشتم والازدراء وليس بعدها زيادة لمستزيد، وأي شيء يمكن أن يؤتى به ويكون أشد قبحًا من قول مقدسهم: إنه صار لعنة أي أنه نفس اللعنة؟ فما هذا الحب الذي قادهم إلى القول بألوهيته من جهة ثم قادهم إلى القول بأنه صار لعنة ... وبما أنه إله على حسب اعتقادهم - والعياذ بالله تعالى - فمَنْ ذا الذي صيّره لعنةً؟ هذا ما نود إيضاحه منهم! وأغرب من ذلك اعتقادهم أن الإله ذو ثلاثة أقانيم أي أشخاص وهي الآب والابن والروح القدس، وإن هذه الأقانيم الثلاثة هي إله واحد. فكيف صار الابن الذي هو ثلث إلههم لعنة دون الثلثين الآخرين، أي الأب والروح القدس؟ وما داموا يقولون بأن الثلاثة واحد حقيقة فلا
(1) منهاج السنة النبوية 6/ 188.
(2) انظر علم اللاهوت النظامي ص 332 والمسيح حياته وأعماله لللأب متى المسكين ص 255.
(3) وهو محمد طاهر التنير.
(4) غلاطية 3/ 13.