تزول كما زالت الآيات الكونية, كعصا موسى مثلا، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول, كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره, وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية, لأن موضوع الرسالة علمي فهو علم موحى به غير مكسوب يقصد به هداية الخلق إلى الحق, فظهور أعلى هداية على لسان أمي كان هو وقومه أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه, كما أعجزت غيرهم على أنه لم يكن معدودا من قبل من بلغائهم أدل على كون ذلك موحى به من الله تعالى من عصا موسى, على كون ما جاء من التوراة موحى به منه تعالى, وهي غير معجزة في نفسها, وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع, فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها كالمراء في الآية الكونية التي هي أمر غريب غير معتاد ... ) (1) .
ويقول في موضع آخر مؤكدا نفس المعنى: (فإنزاله مشتملا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرها على لسان رجل منكم أمي مثله, هو أكبر دليل وأوضح آية على أنه من عند الله تعالى لا من عنده هو, كما قال بأمر الله في آية أخرى: {فقد لبثت فيكم عمرا كمن قبله} (2) جاوز الأربعين من السنين ولم يصدر عنه فيه شيء من مثله في علومه ولا في إخباره بالغيب ولا في أسلوبه ولا في فصاحته وبلاغته"أفلا تعقلون"أن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من العلوم الحكيم) (3) .
ويتحدث الشيخ رشيد عن الإعجاز القرآني القائم على التحدي بأن يؤتى بمثله فيقول: (وقد تحدى محمد رسول الله النبي العربي الأمي العرب بإعجازه, وحكى لهم عن ربه القطع بعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله, فظهر عجزهم على شدة حرص بلغائهم إلى إبطال دعوته واجتثاث نبتته، ونقل جميع المسلمين هذا التحدي إلى جميع الأمم فظهر عجزها أيضًا وقد نقل بعض أهل التصانيف عن بعض الموصوفين بالبلاغة في القول أنهم
(1) تفسير المنار 1/ 163.
(2) سورة يونس آية16.
(3) تفسير المنار 1/ 163.