فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 1074

وأدبًا حتى عرف بين أهل مكة وهو في ريعان شبابه بالأمين، أدب إلهي لم تجرِ العادة بأن تزين به نفوس الأيتام من الفقراء خصوصًا مع فقر القَوَّام فاكتهل والقوم ناقصون، رفيعًا والناس منحطون، موحدًا وهم وثنيون، سلمًا وهم مشاغبون صحيح الاعتقاد وهم واهمون، مطبوعًا على الخير وهم به جاهلون، وعن سبيله عادلون) (1) .

ويبين الشيخ رشيد أنه على الرغم من نشأة النبي صلى الله عليه وسلم على الفقر ومعيشته بين قومه الوثنيين إلا أنه صلى الله عليه وسلم نشأ على خلاف معتقداتهم فيقول: (من السنن المعروفة أن يتيمًا فقيرًا أميًّا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيّما إن كان من ذوي قرابته وأهل عصبته، ولا كتاب يرشده، ولا أستاذ ينبهه، ولا عضد إذا عزم يؤيده فلو جرى الأمر فيه على جاري السنن لنشأ على عقائدهم وأخذ بمذاهبهم إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ... ولكن الأمر لم يجرِ على سنته بل بُغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره، فعاجلته طهارة العقيدة، كما بادره حسن الخليقة، وما جاء في الكتاب من قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} (2) ، لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد أو على غير السبيل القويم قبل الخُلق العظيم، حاش لله؛ إن ذلك لهو الإفك المبين، وإنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص، فيما يرجون للناس من الخلاص، وطلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين، وإرشاد الضالين، وقد هدى الله نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته) (3) .

فعندما اختاره الله تعالى لحمل دعوته كان على ما نشأ عليه من الأمية بين قومه الأميين البعيدين عن المعارف والعلوم التي كانت معروفة لدى الأمم الأخرى.

ويؤكد الشيخ رشيد رضا على أن بعض جوانب سيرته قبل بعثته وبعدها من أكبر دلائل صدق نبوته صلى الله عليه وسلم وذلك في أثناء رده على القس الدانمركي ألفرد

(1) مجلة المنار 6/ 178.

(2) سورة الضحى آية7.

(3) مجلة المنار 6/ 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت