فهرس الكتاب
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ... ) (1) الخ الحديث.
ومقصود الشيخ رشيد رضا من ذكر هذين الحديثين ظاهر, إذ أن الحديث الأول يدل على أن الوحي لم يكن من نفس النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من شيء خارج عنه وهو يتصل به ويلتبس به ثم بعد ذلك ينفصل عنه وينفك عنه, ولو كان من نفسه الشريفة لم يحتج إلى هذا الاشتمال والانفصال والجهد الذي يبلغ منه حتى يتصبب عرقا في الليلة الباردة حين اتصاله به, ومن عرف سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم - ولو من غير المسلمين - لم يتطرق إليه أدنى شك في أنه كان يظهر ذلك لأصحابه كذبا وزورا.
وأما الحديث الثاني فهو مؤيد لما يفهم من الحديث الأول, وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي على غرة منه ولم يتهيأ لنزوله, وإلا لما كان هناك أي داع لأن يخاف ويرجع إلى أهله, فلو كان الوحي من عند نفسه لم يكن بحاجة إلى اختلاق كل تلك الأحداث.
وبعد أن أورد الشيخ رشيد هذين الحديثين ذكر عدة أوجه تبين بطلان ما ذهب إليه أولئك المستشرقون وأتباعهم من نسبة الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بتأثير عدة عوامل في أفكاره, وهذه الأوجه كما يلي:
(الوجه الأول: أن أكثر المقدمات التي أخذوا منها هذه النتيجة هي أراء متخيلة أو دعاوى باطلة, لا قضايا تاريخية ثابتة ... وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها
مثال ذلك: ما زعموه من مروره صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الشام بأرض مدين, وحديثه مع أهلها, الذي أرادوا به أن يجعلوه أصلا لما جاء في القرآن من أخبارها, والخبر باطل ... ولو صح لما كان من المعقول أن يعتمد محمد على ما سمعه في الطريق من أناس
(1) انظر الوحي المحمدي ص 98 والحديث في صحيح البخاري رقم (3) ومسلم رقم (161) .