فتبين بهذا الفرق الشاسع في البلاغة والعظمة ومقاصد الألفاظ بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر.
ب: في الموازنة بين القرآن والتوراة والإنجيل في البلاغة:
حيث زعم بعض النصارى أن القرآن الكريم مشتمل على كثر من القيم اللغوية المعجزة ولكنه زعم أنه يشاركه في ذلك ترجمتا التوراة الإنكليزية والألمانية (1) .
وقبل ذكر الرد على هذه الشبهة ينبغي التنبيه إلى أن إعجاز القرآن أو الدلالة على أنه كلام الله لا ينحصر في كونه بليغا فقط ولكن بلاغته سبب من الأسباب الكثيرة التي تعجز البشر عن الإتيان بما يماثل بلاغته (2) .
ويمكن إيجاز رد الشيخ رشيد على هذه الشبهة من وجهين كما يلي:
الوجه الأول: اعتمد الشيخ رشيد رضا مبدأ المقارنة بين القرآن وترجمات الكتاب المقدس وهي أفضل طريقة لمن ادعى مساواة شيئين مختلفين فذكر (أن القرآن معجز للبشر بعبارته اللغوية، عجز عن الإتيان بسورة من مثله فحول بلغاء العرب الذين اشتهروا بالفصاحة والبلاغة، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم قبل النبوة يعد من طبقتهم فيها، وقد تحداهم الله بأن يأتوا بسورة مثله مصرحًا بأنهم لن يفعلوا، وكانوا أحرص الناس على تكذيبه، فلو قدروا لفعلوا، واستمر هذا الإعجاز إلى يومنا هذا، ولم يقل أحد من الإنكليز، ولا من الألمان: إن ترجمة التوراة معجزة للبشر لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها فظهر الفرق كفلق الصبح أو أشد نورًا) (3) .
الوجه الثاني: بين الشيخ رشيد رضا أن دعوى مساواة القرآن الكريم بالتوراة والإنجيل لا تصح من أساسها مبينا أن التوراة والإنجيل الحاليين ليسا هما الذين أنزلا على موسى وعيسى عليهما السلام فقال (لماذا لا يوازنون بين القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ والتوارة التي جاء
(1) مجلة المنار 34/ 312.
(2) انظر إظهار الحق 3/ 830.
(3) مجلة المنار 34/ 313.