وكذلك وجوب صيام رمضان (1) وكذلك حد الزنا بعد أن كان الأمر على التخيير (2) .
وفي كلا الحالين تظهر الحكمة والمصلحة في التشريع فالأول فيه تخفيف على الناس ورحمة كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (3) والثاني التدرج في التشريع حيث إن نفوسهم لم تألف تلك التعاليم حيث مثلا كان الخمر والزنا لا حد له قبل الإسلام فجاء الإسلام بالتدرج التشريعي حتى جاء بالتحريم الأبدي.
وقد أشار الشيخ رشيد إلى أن (الحكمة من بقاء بعض الآيات التي نسخ حكمها هو التذكير بنعمة النسخ والتعبد بتلاوتها) (4) .
وربما ظن أولئك الجهال أن إثباتنا للنسخ يستلزم منه نسبة النقص إلى علم الله تعالى وأنه علم تلك المصلحة بعد أن جهلها يقول الشيخ الشنقيطي (وهذا الأمر واضح البطلان لكل عاقل. لأن النسخ لا يلزمه البداء(5) البتة، بل الله جل وعلا يشرِّع الحكم وهو عالم بأن مصلحته سنتقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة. فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في عمله السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا
(1) وذلك أن المفروض من الصيام صيام يوم واحد وهو يوم عاشوراء ثم نسخ بصيام شهر كامل وهو شهر رمضان.
(2) انظر مجلة المنار 5/ 348.
(3) سورة البقرة آية 185.
(4) مجلة المنار 7/ 611.
(5) البداء عند الشيعة هو حدوث رأي جديد في علم الله لم يكن من قبل. انظر: فرق معاصرة د/غالب العواجي1/ 443.