وقد ذكر هذا الطعن ابن النغريلة اليهودي (1) ورد عليه ابن حزم بنحو ما ذكره الشيخ رشيد رحمهما الله تعالى (2) .
وأما زعمه الثاني من أن الله تعالى أخبر بأنه خلق السموات قبل الأرض في قوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} .
فقد بين الشيخ رشيد (أن هذا منقوض بقوله في سورة النازعات {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (3 ) ) (4) .
قبل ذكر رد الشيخ رشيد على هذه الزعم تجدر الإشارة إلى بيان معنى كلمة"الخلق"وكلمة الدحو"الواردة في الآيتين التي زعم المعترض أنهما متناقضتان"
فقد ذكر أهل اللغة أن كلمة الخلق تكون بمعنى الإيجاد والتقدير وكلمة الدحو تكون بمعنى البسط وهو ما يبين المعنى الصحيح للآيتين
يقول الشيخ رشيد: (وأما قوله تعالى بعد ذكر السماء في سورة النازعات {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فلا يدل على أن خلق الأرض كان بعد خلق السماء ولا قبله؛ إذ ليس معنى الدحو الخلق والتكوين وإنما معناه تمهيدها للسكنى في نهاية الطور الرابع ولذلك وصل كلمة"دحاها"بتفسيرها، فقال {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} ولا شك أن هذا كله كان بعد خلق السماء ووجود الليل والنهار الذي عبر عنه بقوله {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} (5) فظهر أنه لا تناقض ولا تنافي ولا تخالف بين آيات"فصلت"وآية"النازعات") (6) .
(1) هو صموئيل بن يوسف اليهودي ولد عام 383هـ كان من علماء اليهود بالبأندلس جرت بينه وبين ابن حزم كثير من المناظرات توفي عام 448هـ. انظر: رسائل ابن حزم -الجزء الثالث ص 7 - 8.
(2) انظر: رسائل ابن حزم الجزء الثالث ص 47تحقيق د/ إحسان عباس.
(3) سورة النازعات آية 27 - 30.
(4) مجلة المنار 6/ 334.
(5) سورة النازعات آية 29 - 33.
(6) مجلة المنار 6/ 334.