السلام بجميع جسده في طوله وعرضه وعمقه ولو بلغت أجزاء الفطيرة مائة ألف جزء لكان كل جزء منها عيسى فيقال لهم: جسد عيسى كان طوله عشرة أشبار مثلا وعرضه شبران وعمقه شبر والفطيرة التي يقرأ عليه القسيس لا يمكن أن تكون ثلاثة أشبار.
فكيف يكون جسد طوله عشرة أشبار وعرضه شبران وعمقه شبر في شيء طوله ثلث شبر هذا محال في كل عقل سليم) (1) .
هـ - بين أن بعض النصارى في العصور المتأخرة - البروتستانت -رفضوا فكرة تحول الخبز والخمر إلى لحم ودم المسيح, وقد عرف هذا الأمر (عن أقدم آباء النصرانية، ولكنا نعجب غاية العجب كيف أن جميع أتباع المسيح حتى أحدثهم به عهدًا لم يفهموا مراده من تلك العبارة، إذا صح أنه هو قائلها وبقوا على الضلال فيها إلى القرن السادس عشر، فلم يسمع عن أحد منهم ما يقوله البروتستنت فيها الآن، فإذا جاز عند البروتستنت أن يصل ضلال جميع النصارى في دينهم إلى هذه الدرجة وأن لا يفهموا مراد المسيح الحقيقي طول هذه القرون التي كانوا فيها يتخبطون في أعمالهم وعقائدهم، فكيف لا يجوز أنهم ضلوا في غير ذلك وكانوا فيه من الواهمين؟) (2) فإنكار البروتستانت لهذه الفكرة يعد قدحا في أساس الديانة النصرانية.
وبعد هذا يمكننا أن نقول: إنه على فرض ثبوت تلك النصوص التي تشير إلى دعوة المسيح إلى أكل جسده, ما هي إلا عبارات مجازية تدل على مقصد سام, وهي عبارة عن إتباع المسيح والاهتمام بما جاء به من الأمور الروحانية والإيمانية, وعدم الاهتمام بملذات الأجساد الآنية الفانية, ويدل على كل ما جاء في إنجيل يوحنا قوله: (الروح هو الذي يحي وأما الجسد فلا نفع منه والكلام الذي كلمتكم به هو روح وحياة ولكن فيكم من لا يؤمنون) (3) . والله أعلم.
(1) تحفة الأريب في الرد على عباد الصليب ص 94 - 95.
(2) مجلة المنار 16/ 438 في الهامش.
(3) يوحنا 6/ 63 - 64.