الذي جاء به المسيح فكانوا كما أخبر الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (1) .
يقول الشيخ رشيد رضا (وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذه الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادا أو أربابا) (2) .
ثانيا: تغطرس رجال الكنيسة وشدتهم:
عندما رأى آباء الكنيسة ورجال الدين مقدار السلطة التي يتمتعون بها على رعاياهم تضاعف شرههم في حب الرياسة الدينية والسياسية والاقتصادية والفكرية (3) فيصبح الواحد من أتباعهم لا يعرف إلا طاعة رجال الدين ولا يسعى إلا لمرضاتهم ولا يخشى إلا من عقابهم ويصد عن مخافة الله تعالى. يقول الشيخ رشيد (والسبب في الصدود هو السلطة الدينية التي جعل ذووها الدين لمصلحتهم تقليديًا محضًا؛ عقود عقائده بأيدي الرؤساء مثل الأحبار والأساقفة يقلدونها الناس ويحمونهم سواها وينشئون الأحداث، من الذكران والإناث على اعتقاد وجوب التسليم لهم، والرجوع في كل أمر الدين إليهم، ولا يزال أثر هذه التنشئة ظاهرًا فيمن يتربَّى في مدارس القسيسين فتراه يناظرك في المسألة فإذا قامت عليه حُجّتك قال إن هذا الذي تقول ظاهر في نفسه ومعقول ولكنه من أمر الدين والقسيس يقول بخلافه ولا قول في الدين إلا ما يقول القسيس ولا يشترط أن يكون قوله معقولًا ولا مفهومًا!) (4) .
ولقد بالغ رجال الكنيسة في قبضتهم على أتباعهم أيما مبالغة وبالغت في فرض آرائها عليهم مبالغة تجاوزت حد الغلو ولم تسلك في ذلك سبيل الموعظة الحسنة بل سلكت سبيل العنف وركبت متن الشدة فمن ذلك أن المعتقد بدين النصرانية ليس حرا في اعتقاده بل يكون مرد ذلك إلى الرئيس الكهنوتي يقول الشيخ رشيد (فإذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص: إنه
(1) سورة التوبة آية 31.
(2) تفسير المنار 1/ 158.
(3) انظر مصادر النصرانية لعبد الرزاق الأرو 2/ 872.
(4) مجلة المنار 5/ 842.