ليس مسيحيًّا صار كذلك، وإذا قال: إنه مسيحي فاز بها فليس المعتقد حرًّا في اعتقاده يتصرف في معارفه كما يرشده عقله بل عَيْنَا قلبه مشدودتان بشفَتَيْ رَئيسه؛ فإذا اهتزت نفسه إلى بحث أوقفها قابض على تلك السلطة، وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم فقد جرت عليه النصرانية خمسة عشر قرنًا طوالًا) (1) .
ومن ذلك أنها حرمت جميع العلوم الكونية والمعرفية على أتباعها فمجرد تعلمها أو تعليمها يعد هرطقة كفرية يكون مصيرها القتل أو الحرق دون رفق أو هوادة فقد عقد المجمع الثاني عشر من مجامع الكنيسة ويسمى المجمع اللاتيراني الرابع سنة 1251م وقرر فيه استئصال الهراطقة ويعنون بذلك كل من يرى رأيا مخالفا للكنيسة ولو كان رأيا في الكون أو طبائع الأشياء (2) .
ومن مظاهر السلطة التعسفية التي كان يتمتع بها آباء الكنيسة هو البيان الذي أصدره البابا جريجوري السابع (3) ، وأهم المواد التي احتوى عليها هذا البيان ما يلي:
-البابا وحده هو الذي يتمتع بسلطة عالية.
-جميع الأمراء العلمانيين يجب أن يقبلوا قدم البابا وحده.
-لا يجوز عقد أي مجمع ديني عام إلا بأمر البابا.
-ليس لأحد من الخلق أن يلغي قرارات البابا، وللبابا أن يلغي قرارات سائر الناس.
-أن البابا لا يسأل عما يفعل وأن الناس يسألون.
بهذه الصلاحيات التي جعلها رجال الكنيسة لأنفسهم أحكموا قبضتهم على أتباع الديانة النصرانية ولا فرق عندهم بين حاكم ومحكوم.
(1) مجلة المنار 5/ 415.
(2) انظر محاضرات في النصرانية ص 153.
(3) ولد عام 1020م وانتخب لمنصب البابا عام 1073م قام بتجيديات كثيرة في الديانة النصرانية توفي عام 1085م. انظر: الموسوعة العربية العالمية 4/ 7.