عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال:"كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناسًا لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، [1] ولا بين الأمين والخائن، [2] ولا بين الجاهل والعالم، [3] ولا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا [4] ".اهـ [الإبانة 1/ 188] .
(1) لقد وقع في هذا كثير من طلاب العلم اليوم، ممن أغلقوا باب التكفير -الشرعي- بالكلية، فلم يلتفتوا إليه، بل حذروا منه، ونفروا عنه .. ففوتوا على أنفسهم أحكامًا كثيرة تترتب على إستبانة سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين، خذ مثلًا:
1 -في أحوال الحكام وما يتعلق بهم:
حيث تجب مولاة الحاكم المسلم ونصرته وطاعته، ولا يجوز الخروج عليه أو منازعته ما لم يظهر كفرًا بواحًا، والصلاة خلفه والجهاد معه مشروع برًا كان أو فاجرًا، ما دام في دائرة الإسلام محكمًا لشرع الله، والسلطان المسلم ولي من لا ولي له من المسلمين.
أما الحاكم الكافر فلا تجوز بيعته ولا تحل نصرته ولا موالاته، أو معاونته، ولا يحل القتال تحت رايته، ولا الصلاة خلفه ولا التحاكم إليه، ولا تصح ولايته على مسلم، وليس له عليه طاعة، بل تجب منازعته والسعي في خلعه والعمل على تغييره، وإقامة الحاكم المسلم مكانه ..
2 -وفي أحكام الولاية:
لا تصح ولاية الكافر على المسلم، فلا يصح أن يكون الكافر واليًا أو قاضيًا للمسلمين، ولا إمامًا للصلاة بهم، ولا تصح ولايته على مسلمة في نكاح، ولا ولايته أو حضانته لأبناء المسلمين، ولا وصايته على أموال الأيتام منهم ونحو ذلك.
3 -وفي أحكام النكاح:
لا يجوز نكاح الكافر من المسلمة ولا يكون وليها في النكاح، وإذا نكح مسلم مسلمة ثم ارتد بطل نكاحه وفرق بينهما. ولا يجوز خطبة المسلم على أخيه المسلم حتى يذر بخلاف الكافر.
4 -وفي أحكام المواريث:
اختلاف الدين مانع من التوارث عند جماهير العلماء.
5 -وفي أحكام الدماء والقصاص:
لا يقتل مسلم بكافر، وليس في قتل الكافر المحارب أو المرتد، عمدًا أو خطأ كفارة ولا دية، والمسلم بخلاف ذلك.
6 -وفي أحكام الجنائز:
لا يصلى على الكافر ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يجوز الاستغفار له ولا الترحم عليه ولا القيام على قبره بخلاف المسلم.
7 -وفي أحكام القضاء:
لا تصح ولاية القضاء للكافر، ولا يجوز شهادة الكافر على المسلم، ولا يحل التحاكم إلى القاضي الكافر المحكم لقوانين الكفر، ولا تنفذ أحكامه شرعًا ولا يترتب عليها آثارها.
8 -وفي أحكام القتال:
يفرق بين قتال الكفار والمشركين والمرتدين، وبين قتال المسلمين من البغاة والعصاة؛ فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى نساءهم ونحو ذلك مما يفعل ويستباح في قتال الكفار، والأصل في دم المسلم وماله وعرضه، العصمة بالإيمان، أما الكافر فالأصل فيه الإباحة إلا أن يعصم بالأمان ونحوه.
9 -وفي أحكام الولاء والبراء:
تجب مولاة المسلم ولا تجوز البراءة الكلية منه، وإنما يتبرأ من معاصيه، وتحرم مولاة الكافر أو نصرته على المسلمين أو إطلاعه على عوراتهم، بل تجب البراءة منه وبغضه ولا تجوز موادته.
8 -وفي أحكام البيوع والمعاملات:
لا يجوز بيع المسلم على بيع أخيه المسلم، وله أن يكون وكيلًا على ممتلكات أخيه، ويجوز له أن يشاركه ويفاوضه، أما الكافر فيجوز البيع على بيعه، ولا يكون المرتد وكيلًا على ممتلكات المسلم -عند الأحناف-، ولا يجوز للمسلم أن يشاركه -عند الشافعية والأحناف-، ولا يفاوضه -عند الأحناف-.
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الأمر الخطير والمتأثرة به، فما هذا إلا غيض من فيض، قصدنا به التمثيل والتنبيه، والأدلة على ذلك كله معلومة معروفة في مظانها من كتب الفقه وغيرها.
فمن لم يميز بين الكافر والمسلم، وجعل الكل في نظره مسلمين، مهما ارتكبوا من نواقض للإسلام؛ التبس عليه أمره ودينه في ذلك كله.
ولك أن تتأمل ما يترتب من مفاسد ومحاذير ومنكرات بسبب خلط أحكام المسلمين بأحكام الكفار فيما تقدم من الأمثلة وقد قال تبارك وتعالى في شيء من ذلك: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) [الأنفال: 73] .
(2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة) قيل: وما الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) . وفي رواية: (الفويسق يتكلم في أمر العامة) [أخرجه ابن ماجة وأحمد، وصححه الألباني وحسنه شعيب الأرنؤوط] .
(3) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جُهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [متفق عليه] .
(4) عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين؛ على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هراه) [أخرجه مسلم] .