فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 131

قال الإمام ابن بطة رحمه الله معلقًا على قول الفضيل:"فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه، وعلمنا أكثره وشاهدناه، ولو أن رجلًا ممن وهب الله له عقلًا صحيحًا، وبصرًا نافذًا؛ فأمعن نظره، وردد فكره، وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد: لتبين له أن الأكثر، والأعم، والأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة."

ولقد أضحى كثر من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون".اهـ [الإبانة 1/ 188] ."

قلت: وكأن الإمام ابن بطة رحمه الله يعني بالفقرة الأخيرة، أسراب المتراجعين المرتكسين في الحيرة! الذين تنكروا لما كانوا يؤصلونه قبل أعوام، وهدموا ما كانوا يبنونه بإحكام! (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل: 92] . نعوذ بالله من الحور بعد الكور .. [1]

(1) عن عبدالله بن سرجس قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون ..". [أخرجه مسلم] . قال الإمام النووي رحمه الله:"قوله: (والحور بعد الكون) هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم (بعد الكون) بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم. قال القاضي: وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة صحيح مسلم. قال: ورواه العذري: (بعد الكور) بالراء. قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون. قال القاضي: قال إبراهيم الحربي: يقال إن عاصمًا وهم فيه وإن صوابه (الكور) بالراء. قلت: وليس كما قال الحربي، بل كلاهما روايتان. وممن ذكر الروايتين جميعًا الترمذي في جامعه وخلائق من المحدثين، وذكرهما أبو عبيد، وخلائق من أهل اللغة وغريب الحديث. قال الترمذي بعد أن رواه بالنون: ويروى بالراء أيضًا. ثم قال: وكلاهما له وجه."

قال ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية، ومعناه الرجوع من شيء إلى شيء من الشر. هذا كلام الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعا الرجوع من الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص. قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونًا إذا وجد واستقر. قال المازري في رواية الراء: قيل أيضًا: معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها. وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس. وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه؟ فقال: ألم تسمع قولهم حار بعد ما كان، أي أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها".اهـ [شرح صحيح مسلم 9/ 158 - 159] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت