وقد من الله تعالى علي بمعارضة كتاب الرقائق لابن المبارك من رواية نعيم بن حماد مع شيخي المحقق المدقق عامر صبري التميمي حفظه الله -وهو لم يطبع بعد-، وقد جاء فيه عن ابن مسعود رضي الله عنه:"يذهبُ الصالحون ويبقى أهل الرَّيبِ، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، من أصحاب الرَّيْب؟ قال: قومٌ لا يأمرونَ بمعروفٍ، ولا ينهونَ عن منكرٍ".اهـ
وقال الإمام أحمد في كتاب الصلاة:"جاء الحديث: (ترذلون في كل يوم وقد أسرع بخياركم) ". ورواه البخاري في"الأدب المفرد"موصولًا عن الحسن من قوله.
وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله بعد أن ذكر كثرة من ضل من العلماء والمتزهدين، والفقهاء والمفتين، قال:"إلا رجالًا مؤمنين، ونساءً مؤمناتٍ، يحفظ الله بهمُ الأرض، بواطنُهم كظواهرهم، بلى أجلى، وسرائرُهم كعلانيتِهم، بل أحلى، وهممُهم عند الثريَّا، بل أعلى، إن عُرِفوا تنكروا، وإن رُئيت لهم كرامة أنكروا، فالناس في غَفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تُحبهم بقاع الأرض، [1] وتفرح بهم أملاكُ السَّماء، [2] نسأل الله عز وجل التوفيق لإتباعهم، وأن يجعلنا من أتباعهم".اهـ [صيد الخاطر ص14] .
(1) قال الله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4 ) ) [الزلزلة] .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ، قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنَّ أخبارها أن تشهدَ على كل عبدٍ وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عَمِل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها) [رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب] .
وعند الطبراني من حديث ابن لهيعة: حدثني الحارث بن يَزِيدُ، سمع لربيعة الجُرشي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تَحفَّظوا من الأرض فإنها أمكم؛ وإنه ليس من أحدٍ عاملٍ عليها خيرًا أو شرًا إلا وهي مُخبِرةٌ) .
(2) قال الله تعالى عن الكفار: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ(29 ) ) [الدخان] .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقُه، وباب يدخل منه عملُه وكلامُه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه) وتلا هذه الآية: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) ، وذُكر أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم. ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم؛ كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم، فيبكي عليهم. [رواه أبو يعلى الموصلي، وابن أبي حاتم] .
وعن شُريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا. ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) ، ثم قال: (إنهما لا يبكيان على الكافر) .
وعن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليًا رضي الله عنه: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد أقبلك، أنه ليس عبدًا إلا له مصلى في الأرض، ومصعَدُ عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي رضي الله عنه: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) . [رواه ابن أبي حاتم] .
وعن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رجل فقال: يا أبا عباس أرأيت قول الله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) . فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال:"نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء، منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، ففَقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها، بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خيرٌ، فلم تبك عليهم السماء والأرض".اهـ [رواه ابن جرير، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان يُقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا".اهـ
وعن مجاهد رحمه الله قال:"ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا". فقال له رجل: أتبكي الأرض؟ قال:"أتعجبُ؟! وما للأرضِ لا تبكي على عبدٍ، كان يعمرها بالركوع والسجود؟! وما للسماءِ لا تبكي على عبدٍ كان لتكبيره وتسبيحه دويٌ كدوي النحل؟!". [انظر: تفسير القرآن العظيم 4/ 169] .