فهرس الكتاب

الصفحة 1465 من 2058

زَانِيَةٍ وَيَا ابْنَ الْحَلَالِ وَنَحْوَهُ مِثْلَ ما أَحْسَنَ اسْمَك في الْجِيرَانِ وَلَسْت ابْنَ خَبَّازٍ أو إسْكَافٍ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَلَوْ نَوَى الْقَذْفَ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَنْوِيَّ وَلَا احْتِمَالَ له هُنَا

وما يُفْهَمُ وَيُتَخَيَّلُ منه فَهُوَ أَثَرُ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ له مَاءً من عَطَشٍ وَنَوَى أَنْ لَا يَتَقَلَّدَ له مِنَّةً فإنه إنْ شَرِبَهُ لِغَيْرِ الْعَطَشِ لَا يَحْنَثُ

قال الْقُونَوِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن احْتِمَالَ اللَّفْظِ في التَّعْرِيضِ لِلْمَنْوِيِّ وَإِشْعَارَهُ بِهِ مِمَّا لَا يُنْكَرُ أَيْ فَيَكُونُ كِنَايَةً

قال الزَّمَخْشَرِيّ الْفَرْقُ بين الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ أَنَّ الْكِنَايَةَ أَنْ تَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ له وَالتَّعْرِيضَ أَنْ تَذْكُرَ شيئا تَدُلُّ بِهِ على شَيْءٍ لم تَذْكُرْهُ كما يقول الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلَا نَظَرَ لِوَجْهِك وَلِذَلِكَ قالوا وَحَسْبُك بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقَاضَيَا كَأَنَّهُ إمَالَةُ الْكَلَامِ إلَى عَرْضٍ يَدُلُّ على الْغَرَضِ وَيُسَمَّى التَّلْوِيحَ لِأَنَّهُ يُلَوِّحُ منه بِمَا يُرِيدُهُ ثُمَّ قال هذا كَلَامُهُ وهو ظَاهِرٌ في أَنَّ التَّعْرِيضَ مُشْعِرٌ وَمُلَوِّحٌ بِالْمَقْصُودِ في الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادٌ من نَفْيِ الدَّلَالَةِ وَالِاحْتِمَالِ عن التَّعْرِيضِ أَنَّهُ لَوْلَا الْقَرِينَةُ وَالسِّيَاقُ لم يَكُنْ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ في التَّعْرِيضِ مُشْعِرًا بِالْمَقْصُودِ فَيَقْرُبُ حِينَئِذٍ بَعْضَ الْقُرْبِ غير أَنَّ هذا الْقَدْرَ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ مِثْلِهِ في بَعْضِ صُوَرِ الْكِنَايَةِ نحو ذَوْقِي فإنه بِمُجَرَّدِهِ لَا إشْعَارَ له بِإِضَافَةِ الذَّوْقِ إلَى كَأْسِ الْفِرَاقِ انْتَهَى

وَجَوَابُ نَظَرِهِ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ من نَفْيِ الدَّلَالَةِ إلَى آخِرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ غير أَنَّ هذا الْقَدْرَ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ مِثْلِهِ في بَعْضِ صُوَرِ الْكِنَايَةِ إلَى آخِرِهِ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ في الْكِنَايَةِ وَإِنْ لم يُشْعِرْ بِهِ لَفْظُهَا هو مَدْلُولُهُ بِخِلَافِهِ في التَّعْرِيضِ هذا وما أَشَارَ إلَيْهِ من أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً هِيَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ كما قَالَهُ ابن الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَصَوَّبَهَا الزَّرْكَشِيُّ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَنَحْوُهُ لَا جَاحَةَ إلَيْهِ

فَرْعٌ النِّسْبَةُ إلَى غَيْرِ الزِّنَا من سَائِرِ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فيه إيذَاءٌ كَقَوْلِهِ لها زَنَيْت بِفُلَانَةَ أو أَصَابَتْك فُلَانَةُ يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ لِلْإِيذَاءِ لَا الْحَدَّ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ قال ابن الْقَطَّانِ وَلَوْ قال له يا بِغَاء أو لها يا قَحْبَةُ فَهُوَ كِنَايَةٌ وَمُقْتَضَى ما مَرَّ أَوَاخِرَ الطَّلَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ يا قَحْبَةُ صَرِيحٌ وَبِهِ أَفْتَى ابن عبد السَّلَامِ وَأَفْتَى أَيْضًا بِصَرَاحَةِ قَوْلِهِ يا مُخَنَّثُ لِلْعُرْفِ

فَصْلٌ لو قال أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أو غَيْرُهُمَا لِلْآخَرِ زَنَيْت بِك لَزِمَهُ حَدُّ الزِّنَا لِإِقْرَارِهِ على نَفْسِهِ بِهِ وحد الْقَذْفِ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ قال الْأَذْرَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذلك إذَا لم يُعْهَدْ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ من صِغَرِهِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ كان كَذَلِكَ فَلَا وَكَلَامُ الدَّارِمِيِّ يَقْتَضِيهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ ذلك مُفَرَّعٌ على أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّفْصِيلُ في الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا أَمَّا لو شَرَطْنَاهُ وهو الْأَصَحُّ فَلَا انْتَهَى

وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَذْفَ بِمَا ذَكَرَ صَرِيحٌ قال في الْأَصْلِ وهو الْمَعْرُوفُ في الْمَذْهَبِ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ مُكْرَهًا وهو قَوِيٌّ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ قَوْلَهُ لها زَنَيْت مع فُلَانٍ قَذْفٌ لها دُونَهُ انْتَهَى وَالْفَرْقُ بين الصِّيغَتَيْنِ ظَاهِرٌ فَلَا يَحْسُنُ التَّأْيِيدُ بِمَا ذَكَرَ على أَنَّ الْأَشْكَالَ الْمَذْكُورَةَ أَجَابَ عنه الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إطْلَاقَ هذا اللَّفْظِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِيذَاءُ التَّامُّ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ منه إلَى صَدْرِهِ عن طَوَاعِيَةٍ وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ وَلِهَذَا يُحَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا مع احْتِمَالِ إرَادَةِ زِنَا الْعَيْنِ وَالرِّجْلِ وَيَبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَإِنْ رَجَعَ سَقَطَ حَدُّ الزِّنَا لِمَا سَيَأْتِي في بَابِهِ وَحْدَهُ أَيْ دُونَ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَإِنْ قال لها زَنَيْت أو يا زَانِيَةُ فقالت زَنَيْت بِك فَالْجَوَابُ منها كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِهِ الْقَذْفَ وَغَيْرَهُ فَإِنْ أَرَادَتْ أَنِّي زَنَيْت بِك حَقِيقَةً قبل النِّكَاحِ حُدَّتْ الْحَدَّيْنِ حَدَّ الزِّنَا وَحَدَّ الْقَذْفِ لِاعْتِرَافِهِمَا بِمَا يُوجِبُهُمَا وَعُزِّرَ لِلْإِيذَاءِ وَسَقَطَ عنه حَدُّ الْقَذْفِ لِاعْتِرَافِهَا أو أَرَادَتْ أَنِّي زَنَيْت بِك قبل النِّكَاحِ وَأَنْتَ مَجْنُونٌ وَنَحْوَهُ نحو وَأَنْتَ نَائِمٌ أو بِشُبْهَةٍ وأنا عَالِمَةٌ حُدَّتْ بِالزِّنَا لِاعْتِرَافِهَا بِهِ ولم يُعَزَّرْ هذا من تَصَرُّفِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَسَقَطَ عنه حَدُّ الْقَذْفِ وهو لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُجُوبِ التَّعْزِيرِ بَلْ قد يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَهُ وهو ظَاهِرٌ لِلْإِيذَاءِ ولم تَكُنْ قَاذِفَةً له بِذَلِكَ وَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا في إرَادَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ لِاحْتِمَالِ ما قَالَتْهُ فَإِنْ نَكَلَتْ فَحَلَفَ فَلَهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَإِنْ قالت أَرَدْت أَنِّي زَنَيْت بِهِ إنْ كان النِّكَاحُ أَيْ الْوَطْءُ فيه زِنًا أو أَرَدْت أَنِّي لم أَزْنِ كما لم يَزْنِ هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت