فهرس الكتاب

الصفحة 1793 من 2058

فِيمَا مَرَّ إذْ قَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَا فَعَلْت كَذَا لَا يُوَافِقُ ما ادَّعَاهُ وَإِنْ حَذَفَ من ذلك اسْمَ اللَّهِ لَغَا فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ لِأَنَّهُ لم يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِصِفَةٍ من صِفَاتِهِ وَلَوْ كان ذلك في الْإِيلَاءِ التَّصْرِيحُ بهذا من زِيَادَتِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ بَعْدَ وَالْأَخْبَارِ كان مُوَافِقًا لِأَصْلِهِ وَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ من النُّسَّاخِ وَمَعَ هذا فَالْأَمْرُ قَرِيبٌ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَذَفَهُ ثَمَّ لِلْإِشْكَالِ الذي أُجِيبَ عنه لَمَّا لم يَظْهَرْ له عنه جَوَابٌ وَلَوْ قال أَشْهَدُ أو شَهِدْت أو أَعْزِمُ أو عَزَمْت بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا إنْ نَوَى فَيَمِينٌ قالوا لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ في أَشْهَدُ قال تَعَالَى قالوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ إذْ الْمُرَادُ نَحْلِفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً وَقِيسَ بِهِ الْبَاقِي فَعُلِمَ من كَلَامِهِ أَنَّ ذلك لَا يَكُونُ يَمِينًا إذَا نَوَى غَيْرَهَا وهو ظَاهِرٌ أو أَطْلَقَ لِتَرَدُّدِهِ وَعَدَمِ إطْرَادِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ أو لُغَوِيٍّ بِهِ وَلَوْ قال الْمَلَاعِنُ في لِعَانِهِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ وكان كَاذِبًا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ نَوَى غير الْيَمِينِ إذْ لَا أَثَرَ لِلتَّوْرِيَةِ في مَجْلِسِ الْحُكْمِ قال الرَّافِعِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّمَا لَا تُؤَثِّرُ التَّوْرِيَةُ حِينَئِذٍ في الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ وَالْكَفَّارَةُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ لَا تَلْزَمُهُ إذَا لم يَنْوِ الْيَمِينَ وَرُدَّ بِأَنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ من التَّحْرِيمِ وَالْإِثْمِ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَمَعَ ذلك لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْرِيَةِ قَطْعًا قال الْبُلْقِينِيُّ وإذا أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ تَعَدَّدَتْ قَطْعًا بِخِلَافِ الْأَيْمَانِ على الْمُسْتَقْبَلِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ في الْمَاضِي حَلِفٌ وَكَذَا في الْقَسَامَةِ انْتَهَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْحِنْثَ في الْمَاضِي مُقَارِنٌ لِلْيَمِينِ بِخِلَافِهِ في الْمُسْتَقْبَلِ وَقَوْلُهُ لَا هَالِلْهُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ كِنَايَةٌ إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كان مُسْتَعْمَلًا في اللُّغَةِ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وأيم اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ أَشْهَرُ من كَسْرِهَا وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ قَطْعُهَا وَأَيْمُنُ اللَّهِ وَإِنَّمَا لم يَكُنْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمِينًا إذَا أَطْلَقَ لِأَنَّهُ وَإِنْ اشْتَهَرَ في اللُّغَةِ وَوَرَدَ في الْخَبَرِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ وَلَعَمْرُ اللَّهِ وَالْمُرَادُ منه الْبَقَاءُ وَالْحَيَاةُ وَإِنَّمَا لم يَكُنْ صَرِيحًا لِأَنَّهُ يُطْلَقُ مع ذلك على الْعِبَادَاتِ وَالْمَفْرُوضَاتِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَعَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَأَمَانَتِهِ وَذِمَّتِهِ وَكَفَالَتِهِ أَيْ كُلٌّ منها كِنَايَةٌ سَوَاءٌ أَضَافَ الْمَعْطُوفَاتِ إلَى الضَّمِيرِ كما مَثَّلَ أَمْ إلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ وَالْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ اسْتِحْقَاقُهُ لِإِيجَابِ ما أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا وَتَعَبَّدْنَا بِهِ وإذا نَوَى بِهِ غَيْرَهَا الْعِبَادَاتُ التي أُمِرْنَا بها وقد فَسَّرَ بها الْأَمَانَةَ في قَوْله تَعَالَى إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ بِالْكُلِّ انْعَقَدَتْ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَالْجَمْعُ بين الْأَلْفَاظِ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ فيها إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ يَمِينًا كان يَمِينًا ولم يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كما لو حَلَفَ على الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا وَنَوَى بِكُلِّ مَرَّةٍ يَمِينًا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَإِنْ قال وَحَقُّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ أو النَّصْبِ فَكِنَايَةٌ لِتَرَدُّدِهِ بين اسْتِحْقَاقِ الطَّاعَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ الْبَابُ الثَّانِي في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِيهِ أَطْرَافٌ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ في سَبَبِ الْكَفَّارَةِ فَتَجِبُ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ جميعا لِأَنَّهُ لو كان السَّبَبُ مُجَرَّدَ الْيَمِينِ لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لم يُوجَدْ الْحِنْثُ أو مُجَرَّدُ الْحِنْثِ لَمَا جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عليه فَصْلٌ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ الصَّوْمِ على الْحِنْثِ لِخَبَرِ أبي دَاوُد وَغَيْرِهِ وإذا حَلَفْت على يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا منها فَكَفِّرْ عن يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الذي هو خَيْرٌ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبَيْنِ فَجَازَ تَقْدِيمُهَا على أَحَدِهِمَا كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ أَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ على وَقْتِ وُجُوبِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عن جَمِيعِ الْخِصَالِ الْمَالِيَّةِ وَالْعَجْزُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَوْ كان الْحِنْثُ بِمَعْصِيَةٍ من تَرْكِ وَاجِبٍ أو فِعْلِ حَرَامٍ كما لو حَلَفَ لَا يَزْنِي فإنه يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عليه لِوُجُودِ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ وَالتَّكْفِيرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إبَاحَةٌ وَلَا تَحْرِيمٌ بَلْ الْمَحْلُوفُ عليه مَعْصِيَةٌ قبل الْيَمِينِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ التَّكْفِيرِ وَبَعْدَهُ وَخَرَجَ بِالْحِنْثِ الْيَمِينُ فَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عليها لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ على السَّبْيَيْنِ وَمِنْهُ لو قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك لم يَجُزْ التَّكْفِيرُ قبل دُخُولِهَا لِأَنَّ الْيَمِينَ لم تَنْعَقِدْ بَعْدُ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَكَمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا على السَّبَبَيْنِ لَا تَجُوزُ مُقَارَنَتُهَا لِلْيَمِينِ حتى لو وَكَّلَ من يُعْتِقُ عنها مع شُرُوعِهِ في الْيَمِينِ لم يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ قَالَهُ الْإِمَامُ وَتَأْخِيرُهَا عن الْحِنْثِ أَفْضَلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت