سُنَّةٌ فَالسُّنَنُ لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا في الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أو فَرْضُ كِفَايَةٍ فَكَذَلِكَ إلَّا في الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَلِأَنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى فَارَقَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في ذَاتِ الرِّقَاعِ كما سَيَأْتِي وفي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ مُعَاذًا صلى بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ بِهِمْ فَتَنَحَّى من خَلْفِهِ رَجُلٌ وَصَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أتى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ وَأَنْكَرَ على مُعَاذٍ ولم يُنْكِرْ على الرَّجُلِ ولم يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ
قال في شَرْحِ مُسْلِمٍ كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وهو اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ إذْ ليس في الْخَبَرِ أَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى بَلْ في رِوَايَةٍ أَنَّهُ سَلَّمَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا فَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ على جَوَازِ الْإِبْطَالِ لِعُذْرٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هذه الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ شُذُوذِهَا يُجَابُ بِأَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ على الْمُدَّعَى أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ على جَوَازِ إبْطَالِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ فَعَلَى إبْطَالِ صِفَتِهَا أَوْلَى وَالتَّطْوِيلُ وَحْدَهُ ليس بِعُذْرٍ لِمَا يَأْتِي فَالْخَبَرُ صَادِقٌ بِالْعُذْرِ وَبِغَيْرِهِ لَكِنْ في رِوَايَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الرَّجُلَ قال يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مُعَاذًا افْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَنَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا فَتَأَخَّرْت وَصَلَّيْت وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ جَاءَتْ في رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أنها كانت في الْمَغْرِبِ وفي رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مُعَاذًا افْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وفي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ أنها كانت في الْعِشَاءِ فَقَرَأَ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ قال في الْمَجْمُوعِ فَيُجْمَعُ بين الرِّوَايَاتِ بِأَنْ تُحْمَلَ على أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لِشَخْصَيْنِ وَلَعَلَّ ذلك كان في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فإن مُعَاذًا لَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ النَّهْيِ وَيَبْعُدُ أَنَّهُ نَسِيَهُ وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ الْعِشَاءِ بِأَنَّهَا أَصَحُّ وهو كما قال لَكِنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بين رِوَايَةِ الْقِرَاءَةِ بِالْبَقَرَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِاقْتَرَبَتْ بِأَنَّهُ قَرَأَ بِهَذِهِ في رَكْعَةٍ وَهَذِهِ في رَكْعَةٍ وَيُعْذَرُ في الْمُفَارَقَةِ بِمَا يُعْذَرُ بِهِ في الْجَمَاعَةِ وَبِتَرْكِ الْإِمَامِ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَالْقُنُوتِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَكَذَا لو طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ وَبِهِ أَيْ الْمَأْمُومِ ضَعْفٌ أو شُغْلٌ وقد تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ كَأَنْ رَأَى على ثَوْبِ إمَامِهِ نَجَسًا لَا يُعْفَى عنه أو رَأَى خُفَّهُ تَخَرَّقَ أو عَلِمَ أَنَّ مُدَّتَهُ انْقَضَتْ أو نحو ذلك
فَرْعٌ لو أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ وهو أَيْ وَالْمُنْفَرِدُ يُصَلِّيَ حَاضِرَةً صُبْحًا أو رُبَاعِيَّةً أو ثُلَاثِيَّةً كما صَرَّحَ بها في الْأَصْلِ وقد قام في غَيْرِ الصُّبْحِ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ أَتَمَّهَا أَيْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ نَدْبًا وَدَخَلَ في الْجَمَاعَةِ وَإِلَّا بِأَنْ كانت غير الصُّبْحِ ولم يَقُمْ إلَى الثَّالِثَةِ قَلَبَهَا نَفْلًا وَاقْتَصَرَ على رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دخل في الْجَمَاعَةِ بَلْ إنْ خَشِيَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لو تَمَّمَ رَكْعَتَيْنِ اُسْتُحِبَّ له قَطْعُ صَلَاتِهِ وَاسْتِئْنَافُهَا جَمَاعَةً ذَكَرَهُ في الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ عن الْمُتَوَلِّي أَنَّ مَحَلَّ ذلك أَيْضًا إذَا تَحَقَّقَ إتْمَامَهَا في الْوَقْتِ لو سَلَّمَ من رَكْعَتَيْنِ وَإِلَّا حَرُمَ السَّلَامُ مِنْهُمَا لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْوَقْتِ فَرْضٌ وَالْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ لِمُرَاعَاةِ السُّنَّةِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ في التَّحْقِيقِ
وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ جَارٍ على طَرِيقِهِ وَفَارَقَ ما هُنَا ما في التَّيَمُّمِ من أَنَّهُ إذَا رَأَى الْمَاءَ في صَلَاتِهِ التي تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ فَالْأَفْضَلُ قَطْعُهَا لِيَتَوَضَّأَ من غَيْرِ قَلْبِهَا نَافِلَةً بِأَنَّ الْمُنَافِيَ حَصَلَ ثَمَّ في الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا حَرَّمَ جَمَاعَةٌ إتْمَامَهَا بِخِلَافِ ما هُنَا وَلَا تُقْلَبُ الْفَائِتَةُ أَيْ لَا يَجُوزُ قَلْبُهَا نَفْلًا لِيُصَلِّيَهَا جَمَاعَةً في فَائِتَةٍ أُخْرَى أو حَاضِرَةٍ إذْ لَا تُشْرَعُ فيها الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ خُرُوجًا من خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ كانت الْجَمَاعَةُ في تِلْكَ الْفَائِتَةِ بِعَيْنِهَا جَازَ ذلك لَكِنَّهُ لَا يُنْدَبُ نعم إنْ كان قَضَاءُ الْفَائِتَةِ فَوْرِيًّا فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ
وَيَقْلِبُهَا أَيْ الْفَائِتَةَ نَفْلًا وُجُوبًا إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ وَيَشْتَغِلُ بها كما مَرَّ قُبَيْلَ الْبَابِ الْخَامِسِ في شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَيَقْطَعُ النَّافِلَةَ نَدْبًا إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ وَفَوَاتُهَا بِسَلَامِ الْإِمَامِ نعم إنْ رَجَا جَمَاعَةً تُقَامُ عن قُرْبٍ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ فَالْأَوْلَى إتْمَامُ نَافِلَتِهِ ثُمَّ يَفْعَلُ الْفَرِيضَةَ في جَمَاعَةٍ من أَوَّلِهَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وهو مَعْلُومٌ مِمَّا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عن الرُّويَانِيِّ أَوَائِلَ كِتَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ الِاقْتِدَاءَ في أَثْنَائِهَا أَيْ صَلَاتِهِ جَازَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ رَكْعَتُهُمَا لِقِصَّةِ أبي بَكْرٍ الْمَشْهُورَةِ لَمَّا جاء النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذْ الْإِمَامُ في حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ وَلِأَنَّهُ صلى بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ في صَلَاتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ كما أَنْتُمْ وَخَرَجَ وَاغْتَسَلَ وَعَادَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ وَتَحَرَّمَ بِهِمْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُمْ أَنْشَئُوا اقْتِدَاءً جَدِيدًا لِانْفِرَادِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي بَعْدَ انْفِرَادِهِ إمَامًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَأْمُومًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كما في الْمَجْمُوعِ عن النَّصِّ وَاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَيُوَافِقُهُ بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِهِ في جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ وَغَيْرِهِمَا حتى تَتِمَّ صَلَاتُهُ ثُمَّ يُفَارِقُهُ وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ أو يَنْتَظِرُهُ عِبَارَتُهُ قَاصِرَةٌ عن الْمُرَادِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ بَدَلَ حتى إلَى آخِرِهِ فَإِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ أَوَّلًا أَتَمَّ لِنَفْسِهِ كَمَسْبُوقٍ