وَغَيْرِهَا فَإِنْ كَرِهَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ حُضُورَ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ لم يُكْرَهْ له الْحُضُورُ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُ مَوْقِفَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ على الْآخَرِ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ الناس على دُكَّانٍ في الْمَدَائِنِ فَأَخَذَ ابن مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَذَبَهُ فلما فَرَغَ من صَلَاتِهِ قال أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عن ذلك قال بَلَى قد ذَكَرْت حين جَذَبْتنِي رَوَاهُ أبو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وقال صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقِيسَ بِذَلِكَ عَكْسُهُ فَإِنْ احْتَاجَهُ أَيْ الِارْتِفَاعَ الْإِمَامُ لِتَعْلِيمِ الصَّلَاةِ أو لِغَيْرِهِ أو الْمَأْمُومُ لِتَبْلِيغِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ أو لِغَيْرِهِ اُسْتُحِبَّ لِتَحْصِيلِ هذا الْمَقْصُودِ
وَأَفْضَلُ الصُّفُوفِ لِلرِّجَالِ وَلَوْ مع غَيْرِهِمْ وَلِلْخَنَاثَى الْخُلَّصِ وَلِلنِّسَاءِ كَذَلِكَ أَوَّلُهَا وهو الذي يَلِي الْإِمَامَ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ مِنْبَرٌ أو نَحْوُهُ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إلَيْهِ وأفضلها لِلنِّسَاءِ مع الرِّجَالِ أو الْخَنَاثَى وَلِلْخَنَاثَى مع الرِّجَالِ آخِرُهَا لِأَنَّ ذلك أَلْيَقُ وَأَسْتَرُ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدُوا يَمِينَ الْإِمَامِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عن الْبَرَاءِ كنا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عن يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَأَنْ يُوَسِّطُوا الْإِمَامَ وَيَكْتَنِفُوهُ من جَانِبَيْهِ لِخَبَرِ أبي دَاوُد وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ قال الْأَذْرَعِيُّ وقد يُقَالُ قَضِيَّةُ قَاعِدَةِ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ على فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَنَّ الْوَاقِفَ في الصَّفِّ الثَّانِي بِقُرْبِ الْإِمَامِ يُشَاهِدُ أَفْعَالَهُ وَيَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ وَيَقْفُو أَثَرَهُ على الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ أَفْضَلُ حَالًا من الْوَاقِفِ في الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَعِيدًا عنه لَا يَعْلَمُ شيئا من ذلك وَإِنَّمَا يَقْتَدِي بِصَوْتِ الْمُبَلِّغِ قال وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لو وَقَفَ صَفٌّ على ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لو كان بِأَرْضِهِ لَكَانَ هو الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَوَقَفَ صَفٌّ ثَانٍ وَثَالِثٌ وَرَاءَ مَوْقِفِهِ لَكِنْ بِأَرْضِ الْمَسْجِدِ كَانَا أَفْضَلَ منه وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا في الْمَوْقِفِ وَالْأَحَادِيثُ مَحْمُولَةٌ على الْغَالِبِ
كِتَابُ كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ شُرِعَتْ تَخْفِيفًا عليه لِمَا يَلْحَقُهُ من تَعَبِ السَّفَرِ وَهِيَ نَوْعَانِ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ وَذَكَرَ فيه الْجَمْعَ بِالْمَطَرِ لِلْمُقِيمِ وَأَهَمُّهَا الْقَصْرُ وَلِهَذَا بَدَأَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ بِهِ فقال وَلَهُ أَيْ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ طَاعَةً كان كَسَفَرِ حَجٍّ أو غَيْرَهَا وَلَوْ مَكْرُوهًا كَسَفَرِ تِجَارَةٍ وَسَفَرِ مُنْفَرِدٍ وَالْأَصْلُ فيه مع ما يَأْتِي قَوْله تَعَالَى وإذا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ الْآيَةَ قال يَعْلَى بن أُمَيَّةَ قُلْت لِعُمَرَ إنَّمَا قال اللَّهُ تَعَالَى إنْ خِفْتُمْ وقد أَمِنَ الناس فقال عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت منه فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بها عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْإِتْمَامُ جَائِزٌ كما يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها قالت يا رَسُولَ اللَّه قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ قال أَحْسَنْت يا عَائِشَةُ
وَأَمَّا خَبَرُ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَيْ في السَّفَرِ فَمَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا جَمْعًا بين الْأَدِلَّةِ لَا بِالسَّفَرِ الْقَصِيرِ أو الْمَشْكُوكِ في طُولِهِ فَلَا يَجُوزُ فيه الْقَصْرُ وَلَوْ في الْخَوْفِ لِمَا سَيَأْتِي في بَيَانِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَلَا فَرْقَ في عَدَمِ الْقَصْرِ في الْخَوْفِ بين الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا وَلَا في جَوَازِهِ إلَى رَكْعَتَيْنِ بين الْخَوْفِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الْحَضَرِ أَرْبَعًا وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وفي الْخَوْفِ رَكْعَةً فَأُجِيبَ عنه بِأَنَّهُ يُصَلِّي في الْخَوْفِ رَكْعَةً مع الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِأُخْرَى وَمَحَلُّ الْقَصْرِ إذَا كان السَّفَرُ إلَى مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وهو الذي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقًا وَلَا لِرَاكِبِ التَّعَاسِيفِ
وهو الذي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَلَا يَسْلُكُ طَرِيقًا سَوَاءٌ أَطَالَ سَفَرُهُمَا أَمْ لَا وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وهو الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَنَقَلَ الْإِمَامُ عن الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ الْهَائِمَ عَاصٍ أَيْ لِأَنَّ إتْعَابَ النَّفْسِ بِالسَّفَرِ بِلَا غَرَضٍ حَرَامٌ كما سَيَأْتِي وَمِثْلُهُ رَاكِبُ التَّعَاسِيفِ بَلْ أَوْلَى وَيَحْصُلُ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ من بَلَدٍ له سُورٌ بِمُفَارَقَةِ سُورِ الْبَلَدِ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَإِنْ تَعَدَّدَ كما قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ دُونَ السُّورِ