التَّشْرِيقِ فَنَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ وَطَافَ في لَيْلَتِهِ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ رَحَلَ من مَكَّةَ قبل صَلَاةِ الصُّبْحِ فلم يُقِمْ أَرْبَعًا في مَكَان وَاحِدٍ فَلَوْ نَوَى الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ وَالْجُنْدِيُّ الْمُثْبَتُ في الدِّيوَانِ لَا غَيْرُهُ من الْمُتَطَوِّعَةِ الْإِقَامَةَ ولم يَنْوِ هَا الْمُطَاعُ وهو السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَالْأَمِيرُ فَلَهُمْ الْقَصْرُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمْ فَنِيَّتُهُمْ كَالْعَدَمِ وَقَوْلُهُ مُثْبَتٌ لَا غَيْرُهُ زَادَهُ دَفْعًا لِاسْتِشْكَالِ حُكْمِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِحُكْمِهِ الْمَذْكُورِ فِيمَا يَأْتِي وَفَارَقَ الْمُثْبَتُ غَيْرَهُ بِأَنَّهُ تَحْتَ قَهْرِ الْأَمِيرِ كَالزَّوْجَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ كان الْمُسَافِرُ بِمَوْضِعٍ يَتَوَقَّعُ الْخُرُوجَ منه يَوْمًا فَيَوْمًا إنْ حَصَلَتْ حَاجَتُهُ أو حَبَسَهُ الرِّيحُ في الْبَحْرِ في مَوْضِعٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا غير يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَقَامَهَا بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ لِحَرْبِ هَوَازِنَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ رَوَاهُ أبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَإِنْ كان في سَنَدِهِ ضَعِيفٌ لِأَنَّ له شَوَاهِدَ تَجْبُرُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشِّهَابُ ابن حَجَرٍ وَرُوِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسَبْعَةَ عَشَرَ وَتِسْعَةَ عَشَرَ وَعِشْرِينَ رَوَاهَا أبو دَاوُد وَغَيْرُهُ إلَّا تِسْعَةَ عَشَرَ
فَالْبُخَارِيُّ قال الْبَيْهَقِيُّ وهو أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَهَا ابن الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيُّ وقد جَمَعَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ بين الرِّوَايَاتِ ما عَدَا رِوَايَتَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَعِشْرِينَ بِأَنَّ رَاوِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ عَدَّ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَرَاوِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ لم يَعُدَّهُمَا وَرَاوِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَدَّ أَحَدَهُمَا فَقَطْ وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَضَعِيفَةٌ وَرِوَايَةُ عِشْرِينَ وَإِنْ كانت صَحِيحَةً فَشَاذَّةٌ كما قَالَهُ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ آنِفًا وَهَذَا الْجَمْعُ يُشْكِلُ على قَوْلِهِمْ يَقْصُرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ غير يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وقد يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ما عَدَا رِوَايَتَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسَبْعَةَ عَشَرَ لِأَنَّ رَاوِيَ عِشْرِينَ عَدَّ الْيَوْمَيْنِ وَرَاوِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لم يَعُدَّهُمَا وَرَاوِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ عَدَّ أَحَدَهُمَا وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ وَيُجَابُ عن تَقْدِيمِهِمْ رِوَايَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ على رِوَايَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ بِمَا قام عِنْدَهُمْ من الشَّوَاهِدِ الْجَابِرَةِ وَغَيْرِهَا
وَإِنْ كان الْمُتَوَقِّعُ أو من حَبَسَهُ الرِّيحُ في الْبَحْرِ غير مُحَارِبٍ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالتَّاجِرِ فإنه يَقْصُرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ كَالْمُحَارِبِ وَلَا يُؤَثِّرُ الْفَرْقُ لِأَنَّ لِلْحَرْبِ أَثَرًا في تَغْيِيرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ هِيَ الْمُرَخِّصَةَ وَإِنَّمَا الْمُرَخِّصُ السَّفَرُ وَكِلَاهُمَا فيه سَوَاءٌ وَمَتَى فَارَقَ مَكَانَهُ ثُمَّ رَدَّتْهُ الرِّيحُ إلَيْهِ فَأَقَامَ فيه اسْتَأْنَفَ الْمُدَّةَ لِأَنَّ إقَامَتَهُ فيه إقَامَةٌ جَدِيدَةٌ فَلَا تُضَمُّ إلَى الْأُولَى بَلْ تُعْتَبَرُ مُدَّتُهَا وَحْدَهَا وَهَذَا من زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ في الْمَجْمُوعِ وقال فيه لو خَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَانٍ يَنْتَظِرُونَ رُفْقَتَهُمْ فَإِنْ نَوَوْا أَنَّهُمْ إنْ أَتَوْا سَافَرُوا أَجْمَعِينَ وَإِلَّا رَجَعُوا لم يَقْصُرُوا لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِالسَّفَرِ وَإِنْ نَوَوْا أَنَّهُمْ وَإِنْ لم يَأْتُوا سَافَرُوا قَصَرُوا لِجَزْمِهِمْ بِالسَّفَرِ تَنْبِيهٌ قال الْإِسْنَوِيُّ ما رَجَّحُوهُ من أَنَّ الْقَصْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يُحْتَمَلُ اطِّرَادُهُ في بَاقِي الرُّخَصِ كَالْجَمْعِ وَالْفِطْرِ وَيَدُلُّ له تَعْبِيرُ الْوَجِيزِ بِالتَّرَخُّصِ وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُمْ إذَا مَنَعُوهُ فِيمَا زَادَ على الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ مع أَنَّ أَصْلَهُ قد وَرَدَ فَالْمَنْعُ فِيمَا لم يَرِدْ بِالْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهَذَا أَقْوَى
قال الزَّرْكَشِيُّ وَكَأَنَّهُ لم يَسْتَحْضِرْ فيها نَقْلًا وَحُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ما حَاصِلُهُ الْأَوَّلُ ثُمَّ قال فَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُبَاحُ له سَائِرُ الرُّخَصِ لِأَنَّ السَّفَرَ مُنْسَحِبٌ عليه نعم يُسْتَثْنَى منه سُقُوطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَتَوَجُّهُ الْقِبْلَةِ في النَّافِلَةِ لِمَا عُرِفَ في بَابَيْهِمَا
فَصْلٌ السَّفَرُ الطَّوِيلُ بِالْأَمْيَالِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ في أَرْبَعَةِ بُرُدٍ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَأَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَمِثْلُهُ إنَّمَا يُفْعَلُ