فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 2058

الْتِزَامُ الْقُرْبَةِ لَا الْقُرْبَةُ إذْ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ على الْوَفَاءِ

وَفِيهِ فَصْلَانِ

الْأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ النَّاذِرُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَالِاخْتِيَارُ وَنُفُوذُ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَنْذُرُهُ وَلَوْ سَكِرَ حَالَ النَّذْرِ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ السَّكْرَانَ مُكَلَّفٌ وهو ما جَرَى عليه في كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كما مَرَّ بَيَانُهُ ثَمَّ فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ من غَيْرِ الْمُكَلَّفِ إلَّا السَّكْرَانَ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلِالْتِزَامِ وَلَا من الْكَافِرِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقُرْبَةِ أو لِالْتِزَامِهَا وَإِنَّمَا صَحَّ وَقْفُهُ وَصِيَّتَهُ وَصَدَقَتَهُ من حَيْثُ إنَّهَا عُقُودٌ مَالِيَّةٌ لَا قُرْبَةٌ وَلَا من الْمُكْرَهِ كَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ وَلِخَبَرِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اُسْتُكْرِهُوا عليه لَا مِمَّنْ لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ فِيمَا يَنْذُرُهُ كَنَذْرِ السَّفِيهِ الْقُرَبَ الْمَالِيَّةَ كما يَأْتِي بَيَانُهُ

وَيَصِحُّ أَيْ النَّذْرُ من الْمَحْجُورِ عليه بِسَفَهٍ أو فَلَسٍ في الْقُرَبِ الْبَدَنِيَّةِ بِخِلَافِ الْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ الْعَيْنِيَّةِ كَعِتْقِ هذا الْعَبْدِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ وَلَا حَجْرَ على الْمُفْلِسِ في ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ الْمَالِيُّ فيها لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عنه وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ هُنَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ من السَّفِيهِ نَذْرُ الْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ في الذِّمَّةِ لَكِنَّهُمَا جَزَمَا في بَابِ الْحَجْرِ بِصِحَّتِهِ وهو أَوْجَهُ كَالتَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كان فيه إلْزَامُ الذِّمَّةِ في الْحَالِ بِخِلَافِهِمَا لِأَنَّهُ على هذا إنَّمَا يُؤَدِّي بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عنه كما في نَذْرِ الْمُفْلِسِ وَنَذْرِ الرَّقِيقِ الْمَالَ في ذِمَّتِهِ قال ابن الرِّفْعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَضَمَانَةِ أَيْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَالْأَصَحُّ انْعِقَادُ نَذْرِهِ الْحَجَّ وَيُشْبِهُ أَنَّ غير الْحَجِّ كَذَلِكَ انْتَهَى

وَالْأَوْجَهُ ما اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ من صِحَّةِ نَذْرِهِ الْمَالَ في ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَيُفَارِقُ الضَّمَانَ بِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فيه حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَا يَصِحُّ إلَّا في قُرْبَةٍ بِخِلَافِ الضَّمَانِ قال في الْأَصْلِ وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ مَرْهُونِ الْعَقْدِ إنْ نَفَّذْنَا عِتْقَهُ وَإِلَّا فَكَمَنْ نَذَرَ إعْتَاقَ من لَا يَمْلِكُهُ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عن الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ

الرُّكْنُ الثَّانِي الصِّيغَةُ فَلَا بُدَّ منها في النَّذْرِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَيَنْعَقِدُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ وَيَنْبَغِي انْعِقَادُهُ بِكِتَابَةِ النَّاطِقِ مع النِّيَّةِ قال الْأَذْرَعِيُّ وهو أَوْلَى بِالِانْعِقَادِ بها من الْبَيْعِ وهو أَيْ النَّذْرُ قِسْمَانِ نَذْرُ تَبَرُّرٍ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ طَلَبَ بِهِ الْبِرَّ وَالتَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ونذر لَجَاجٍ بِفَتْحِ اللَّامِ سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ حَالَةَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فَالْأَوَّلُ وهو نَذْرُ التَّبَرُّرِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا نَذْرُ الْمُجَازَاةِ وهو أَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً في مُقَابَلَةِ حُدُوثِ نِعْمَةٍ أو انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ وَإِنْ لم يَكُنْ حُدُوثُهُمَا نَادِرًا كَقَوْلِهِ إنْ أَغْنَانِي اللَّهُ أو شَفَانِي أو شُفِيَ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا وَكَقَوْلِ من شُفِيَ من مَرَضِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ من شِفَائِي من مَرَضِي وَخَرَجَ بِحُدُوثِ ما ذُكِرَ اسْتِمْرَارُهُ قال الزَّرْكَشِيُّ وهو قِيَاسُ سُجُودِ الشُّكْرِ النَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَلْتَزِمَ من غَيْرِ تَعْلِيقٍ بِشَيْءٍ فَيَصِحُّ إنْ الْتَزَمَ قُرْبَةً كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَيْ من صَوْمٍ أو صَلَاةٍ أو نَحْوِهِمَا بِخِلَافِ ما إذَا الْتَزَمَ غير قُرْبَةٍ وَلَوْ مُبَاحًا فَلَا يَصِحُّ كما سَيَأْتِي وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ الْمَذْكُورِ بِنَوْعِهِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ

لَا إنْ عَلَّقَ النَّذْرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أو مَشِيئَةِ زَيْدٍ فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ لِعَدَمِ الْجَزْمِ اللَّائِقِ بِالْقُرَبِ نعم إنْ قَصَدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ التَّبَرُّكَ أو وَقَّعَ حُدُوثُ مَشِيئَةِ زَيْدٍ نِعْمَةً مَقْصُودَةً كَقُدُومِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ كَذَا فَالْوَجْهُ الصِّحَّةُ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ في الْأُولَى وَأَمَّا نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَيُقَالُ له يَمِينُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَيَمِينُ الْغَلَقِ وَنَذْرُ الْغَلَقِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ من شَيْءٍ أو يَحُثَّهَا عليه بِتَعْلِيقِ الْتِزَامِ قُرْبَةٍ بِفِعْلٍ أو تَرْكٍ كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا أو إنْ لم أَفْعَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت