الوجه الثاني في الفرق أن ما فينا من الخصال الممدوحة لا ينفك عن أضدادها
فإن علمنا مشوب بالجهل وقدرتنا مشوبة بالضعف وملكنا بعرض الهلاك وبقاؤنا بعرض الفناء وحياتنا بعرض الموت وأما صفات اللَّه تعالى فإنها خالية عن أضدادها فإنه عالم بلا جهل قادر بلا عجز ملكه بلا زوال وبقاؤه بلا فناء وحياته بلا موت وعزه بلا ذل فظهر الفرق.
الوجه الثالث أن اللَّه تعالى إنما نهى عبده عن تزكية نفسه
لأن العبد يقدم الدعوى على إظهار المعنى فأما الحق سبحانه فأنه كان قد أظهر المعنى قبل الدعوى؛ لأنه خلقك وأعطاك الحياة والعقل وأنواع المنافع: وإظهار الدعوى بعد إقامة البرهان على المعنى يكون مستحسنا بخلاف حال العبد فأنه في أكثر أحواله يكون إظهار الدعوى مقدما على إظهار المعنى.
الوجه الرابع أن من أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة
وفي ما بينهما [1] جمال القدرة لا يليق به أن يمدح نفسه، إنما الأحق بمدح [2] النفس هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
الوجه الخامس أن حب الإنسان لنفسه غالب
فإذا شرع في مدح نفسه استولى حب ذلك عليه ثمّ أن ذلك يعميه ويصمه عن التنبيه لمّا فيه من المعايب فيصير ذلك
(1) بينهما في الأصل بينه.
(2) الاحق بمدح في الأصل (الحق مدح) .