بَلى وَهُوَ الْخَلّاقُ الْعَلِيمُ [1] فالخلّاق إشارة إلى كمال القدرة وهي القدرة النافذة في جميع أجزاء الممكنات والمبتدعات [2] المستولية على كل أحوال المحدثات والكائنات وقوله العليم إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع الجزئيات والكليات والحاضرات والغائبات والذوات والصفات والموجودات والمعدومات ولا شك أن مدبر العالم متى كان موصوفا بهاتين الصفتين كان كل عسير بالنسبة إلى كمال قدرته يسيرا وكل صعب بالنسبة إلى عظمة قهارته وجلاله هينا فتبارك اللَّه رب العالمين.
الموضوع الثاني من المواضيع التي اشتملت عليها هذه الآية في بيان ابتداء تخليق العالم قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [3] وللناس في هذه الآية قولان:
أحدهما أن هذا الأمر والإجابة محمولان على لسان الحال لا على ظاهر المقال ويدل عليه وجوه:
الأول: أن السماوات والأرضين جمادات والأمر بالجماد [4] لا يليق بالحكمة.
الثاني: أنها بتقدير أن تكون أحياء عاقلة فاهمة لكنها لا تقدر على التصرف في أنفسها وفي ذواتها لأن المتصرف في الشيء متقدم بذاته وصفاته على ذلك التصرف وتقدم الشيء على نفسه محال فثبت انه يمتنع كونها قادرة على التصرف في نفسها.
(1) يس: (81) .
(2) والمبتدعات في (ب) والمبدعات.
(3) فصلت: (11) .
(4) والأمر بالجماد في (أ) وأمر الجماد.