للمعلوم وكون الشيء خالقا لذلك الشيء لا بد وأن يكون أمرا زائدا على ذات الخالق وذات المخلوق وهذا يفيد القطع بأن الخلق [1] غير المخلوق، ثم قال جمهور المتكلمين الخلق يمتنع أن يكون مغايرا للمخلوق [2] ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: أن الخلق إن كان قديما لزم من قدمه قدم المخلوق وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل.
الحجة الثانية: أن الخلق إن كان محدثا افتقر إلى خالق وإن كان قديما كان من لوازم ذات البارئ تعالى فلا يكون ثبوته واقعا بقدرة الباري واختياره ثم إن الخلق مستلزم لوجود المخلوق لأنه لا يتصور في العقل حصول الخلق مع إنه لا يترتب عليه وجود المخلوق أصلا إذا ثبت هذا فنقول: ذاته تعالى مستلزم للخلق والخلق مستلزم للمخلوق ومستلزم المستلزم مستلزم فذات الله تعالى مستلزم لوجود المخلوق فلا يكون وقوع المخلوق باختيار الله تعالى ومشيئته بل يكون ذاته تعالى موجبا لوقوع المخلوقات وحينئذ يكون ذاته موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وهو باطل.
الحجة الثالثة: أن المراد من القدرة الصفة المؤثرة والمراد من الإرادة الصفة المرجحة فاذا حصل مجموع القدرة والإرادة فقد حصل تمام المؤثر وأما وقوع المخلوق فهو الأثر [3] ويمتنع أن يحصل بين المؤثر المستقل التام وبين الأثر واسطة فها هنا مجموع الإرادة والقدرة وهاهنا الأثر الحاصل منهما وإذ
(1) الخلق في (ب) الخالق.
(2) للمخلوق في (أ) وهامش ب كنسخة ثانية للقدرة.
(3) الأثر: نتيجة الشئ وله عدة معان، الأول: بمعنى نتيجة وهو الحاصل منه الشئ، والثاني: بمعنى العلامة، وهي السمة الدالة عليه، والثالث: بمعنى الخبر ويطلق على كلام السلف لا على فعلهم، والرابع ما يترتب على الشئ وهو المسمى بالحكم عند الفقهاء.