النوع الثامن من الاستدلال: أنّا نشاهد هذه الأفلاك الآن متحركة فإما أن يقال إنها كانت متحركة في الأزل [1] أو ما كانت متحركة [2] في الأزل، إما لأنها ما كانت موجودة في الأزل أو لأنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا كإنها ما كانت متحركة في الأزل.
والقسم الأول محال لأن ماهية الحركة عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة [3] أخرى؛ فهذا الانتقال لا يكون مسبوقا بالمنتقل عنه؛ فحقيقة الحركة تقتضي لماهيّتها أن تكون مسبوقة بالغير، وحقيقة الأزل تنافي المسبوقية بالغير؛ فالجمع بين الحركة وبين الأزل محال.
ولمّا بطل هذا القسم ثبت أنه لا حركة في الأزل، سواء قلنا: ذوات الأفلاك كانت موجودة في الأزل ساكنة أو قلنا: بأنّها كانت معدومة في الأزل.
وعلى القولين لا بد من الاعتراف بالقادر المختار الحكيم؛ لأنّا إن قلنا بإنها كانت موجودة وكانت ساكنة ثم تحركت فيما لا يزال فلا بد من قادر حكيم مختار يحركه بعد أن كان ساكنا.
وإن قلنا إنّه كان معدوما في الأزل فلا بد أيضا من قادر حكيم مختار يوجده في لا يزال [4] بعد أن كان معدوما في الأزل، فثبت أن على كلا القسمين
(1) الأزل: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة، غير متناهية في جانب الماضي، كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة، غير متناهية في جانب المستقبل، والأزلي ما لا يكون مسبقا بالعدم والموجود أقسام ثلاثة إما أزلي وأبدي وهو الله سبحانه وتعالى، ولا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، أو أبدي غير أزلي وهي الآخرة، وعكسه محال. فإن ثبت قدمه امتنع عدمه.
(2) فإما أن يقال إلى قوله في الأزل إما لأنها ساقط من (أ) .
(3) من حالة إلى حالة: في (أ) من حركة إلى حركة.
(4) لا يزال: في (أ) الأزل.