ومن عجائب هذا الموضع أن كل ما سوى رب العالمين فإنه يتغير علمه بتغير المعلومات ويكثر علمه بتكثير المعلومات وهو سبحانه يعلم بعلم واحد ما لا نهاية له من المعلومات ويعلم بعلم باق دائم جميع التغيرات.
الفرق الثامن: أن كل ما سواه من الفاعلين فإنه لا يمكنه أن يجمع بين الأفعال الكثيرة فالكاتب لا يمكنه أن يكتب الكلمات الكثيرة على الجمع بل على التعاقب وبالجملة ما لم يفرغ عن أحد الفعلين لا يمكنه الاشتغال بالآخر وأما الحق سبحانه وتعالى هو القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن فهو مدبر العرش والكرسي واللوح والقلم والأنوار والظلم والسماوات والأرضين والبحار والجبال والحيوان والنبات دفعة واحدة يخلق ذواتها ويدير صفاتها ويرى حاجاتها ويسمع نداءها ويجيب دعاءها فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن.
الفرق التاسع: أن كل من فعل فعلا فإنه يفعل لجرّ نفع أو دفع ضر والحق جل وعلا منزه عن جرّ المنافع ودفع المضار وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه وقد بينّا دلائل هذا الفصل في باب دلائل التوحيد في تفسير قوله سبحانه وتعالى لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ.
الفرق العاشر: أن كل من فعل فعلا فإنه يحصل بعضه على وفق مراده وبعضه لا يحصل على وفق مراده فالكافر يجتهد ليجد الحجة والمعرفة فلا يحصل مراده بل يقع في الشبهة والضلالة وكل أحد فإنما يتحرك ويسعى لطلب الخيرات ثم قد يحصل وقد لا يحصل. وقيل كل أحد يخرج بكرة يومه من داره قدريا ويعود إليها بالمساء جبريّا يقول بالبكرة أفعل كذا ليحصل كذا وبالمساء يقول اجتهدت فما كان التقدير مطابقا للتدبير والحق سبحانه لا يقع فعله إلا على وفق مراده ومشيئته فإن كل الممكنات في قبضة قدرته وربقة إرادته لا دافع لما قضى ولا مانع لما أبدع وأبدى؛ قال تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَة