فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 866

وسمعت بعض المشايخ قال: لمّا أسري بمحمد صلّى اللَّه عليه وسلم إلى (قابَ قَوْسَيْنِ) أوحى الله تعالى إليه وقال: بم تريد أن أشرفّك؟ فقال: إلهيّ أريد أن تشرّفني بأن تذكرني بكوني عبدا لك؛ فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [1] .

فانظر إلى هذه الدقيقة: وصف نفسه في هذه السورة بالتسبيح والتقديس والتنزيه حتى سماه عبدا، وفي سورة الفرقان بكونه مباركا ومتعاليا حتى سمّاه عبدا، وهذا يدلّ على أن كلّ من كان أشد عرفانا بعبوديته وذلته وخضوعه وافتقاره كان تجلي أنوار قدس جلال اللَّه في عقله أتمّ وظهور نور كبريائه على وجهه أجلى وأعظم.

الفائدة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله:"لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا".

فمنهم من قال: المعنى: ليكون هذا العبد للعالمين نذيرا.

ومنهم من قال [2] : كالمعنى ليكون هذا القرآن نذيرا، وأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [3] ، إلا أن هذا وإن كان محتملا لكنّ جعل النذير صفة لمحمد صلّى اللَّه عليه وسلم أولى من جعله صفة القرآن ويدل عليه وجهان:

الأول: أن نص القرآن دلّ على أن النذير صفة لمحمد صلّى اللَّه عليه وسلم؛ قال تعالى:

إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [4] .

(1) الإسراء: (1) .

(2) من قال زيادة يقتضيها السياق.

(3) الإسراء: (9) .

(4) الأحزاب: (45) ، الفتح: (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت