فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 866

أولها:"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"

واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين:

الأول: أن لله تعالى على العباد نوعين من الملك، أحدهما ملك التكليف؛ وذلك لأنه تعالى ملك مطاع في المخلوق لأنه مالكهم وخالقهم ومدبرهم، والمتصرف فيهم والمستولي عليهم، وكان ملكا مطاعا، والملك المطاع من له الأمر والنهي.

الثاني ملك التخليق فقوله:"تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ"إشارة إلى تقدير ملك التكليف، ثم قال بعده:"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"وهو إشارة إلى ملك التخليق؛ فإن ملك التكليف معلل بملك التخليق فلّما قال:"نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا"أثبت بهذه الآية التكليف لنفسه، كأنه قيل: ولم يحسن منك التكليف والأمر والنهي مع أنك منزه عن الضرّ والنفع والمكلف لاي ينتفع بهذا التكليف؟

فأجاب الحق تعالى فقال: إنما حسن مني ملك التكليف، لأنه حصل لي ملك التخليق؛ فالكلّ عبيدي وللمالك أن يتصرف في ملكه وملكه كيف شاء أو أراد، ولا اعتراض للعبد على مالكه البتّة فلهذا قال تعالى بعد تلك الآية:"لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ".

والوجه الثاني في بيان النظم أنه تعالى لما وصف نفسه بكونه مرسلا للرسل وذلك يتوقف على ثبوت ذاته وثبوت صفاته لا جرم أردف بما يدل على جميع ذلك فقال:"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"فاستدل على وجوده وكمال قدرته وكبريائه وآلهيته بملكوت السماوات والأرض.

ووجه الاستدلال بملك السماوات والأرض على وجود الصّانع وصفات جلاله قد شرحناه فيما قبل. ثم في الآية فائدتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت