فإن قيل: صفات الجلال أولى بالتقديم من صفات الإكرام.
قلنا: يدل عليه القرآن والبرهان:
أمّا القرآن فهو تعالى ذكر الجلال والإكرام في آيتين فقال: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [1] وقال: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [2] وفي كل واحدة من هاتين الآيتين قدم الجلال على الإكرام وأمّا البرهان فلأن صفات الجلال عبارة عن السلوب ويكفي في تحقيق هذه السلوب الذات المخصوصة من حيث هي هي؛ وأما صفات الإكرام فإنها لا تظهر إلا عند وجود الممكنات وما يكفي فيه ذاته من حيث أنه هو متقدم في المرتبة على ما لا بد معه من غيره. والجواب هاهنا مرتبتان:
الأولى: أن يتوسل بمعرفة غير الله إلى معرفة الله وهذا هو مقام عروج المسافرين إلى الله تعالى والمسافرين إلى حضرة جلال الله.
الثانية: أن يتوسل بمعرفة ذات الله إلى معرفة غير الله وهذا مقام نزول خواص حضرة الله عن تلك الحضرة المقدسة إلى الالتفات إلى غيرها فإن اعتبرنا المرتبة الأولى كانت معرفة صفات الإكرام مقدمة على معرفة صفات الجلال لأنها في هذه المرتبة يستدل بالمخلوقات على الخالق ثم يستدل بعدم افتقار الخالق إلى خالق آخر على كونه منزها عن مشابهة المخلوقات، وأما إن اعتبرنا المرتبة الثانية وهي مرتبة النزول كان تحقق صفات الجلال مقدما بالمرتبة على تحقق صفات الإكرام فإن تلك السلوب يكفي في تحققها الذات أما الإضافات فلا يكفي فيها الذات الواحدة بل لا بد في تحققها من حصول المضافين. إذا عرفت
(1) الرحمن: (27) .
(2) الرحمن: (78) .