هذا فنقول أنه تعالى لما قال تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا [1] فكأنه قيل كونه مرسلا للرسل إنما يثبت لو ثبت كونه موجودا فما الدليل على وجوده وقدرته؟
فيقال الدليل عليه ملك السماوات والأرض وهذا هو مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق فلا جرم قدم هاهنا صفات الإكرام على صفات الجلال وأما قوله وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [2] وقوله تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [3] فليس المقصود هاهنا ذكر الاستدلال بل المقصود منه الاستخبار عن نعوت قدسه وعظمته وكبريائه فكانت صفات الجلال مقدمة في هذا المقام على صفات الإكرام فسبحان من أودع هذا الكتاب الكريم أسرارا تعجز العقول عن إدراكها.
فقد ظهر بما ذكرنا أن الترتيب الصحيح في هذا المقام هو أنه تعالى قدم صفات الإثبات فقال:"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"ثم ذكر بعد ذلك صفتين من صفات الجلال:
أولهما: نفي الولد، والثانية نفي الشريك، ثم ذكر بعدهما ما تركب عن صفة الإكرام وصفة الجلال فقال:"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ"وذلك لأن قوله"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ"يدل على كونه خالقا للأشياء وهي صفة الإكرام وعلى أن غيره لا يشاركه في هذه الصفة وهي صفة الجلال ومعلوم أن تقدم المفرد على المركب واجب فهذا هو الإشارة إلى ترتيب الصفات المذكورة في هذه الآية.
(1) الفرقان: (1) .
(2) الرحمن: (27) .
(3) الرحمن: (78) .