الثالث: أنه تعالى قال:"فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا"ولا يجوز أن يريد به الحكمة والصواب ألا ترى أنه تعالى نفى التفاوت عن أفعال نفسه فقال:"ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ"فقالوا يثبت بهذا الوجوه أنه لا بد من تأويل لو دلت الآية بظاهرها على قولكم فكيف ولا دلالة فيها على قولكم لأن الخلق عبارة عن التقدير فيختص ذلك بما يقبل التقدير وهو الجسم الذي له حجم وامتداد والجواب:
أما الآيات الدالة على كون العبد خالقا فنقول هاهنا آيات دلت على أن العبد غير خالق وآيات دلت على أنه خالق ولا بد من التوفيق بينهما فتحمل الآيات الدالة على كون نفي الخالقية على نفي كون العبد موجدا والآيات الدالة على كونه خالقا على كونه متصورا متفكرا مقتدرا في ذهنه أمورا قوله لا يمدح التمدح بخلق العبث. قلنا لا يمكن التمدح بخلقها من حيث إنها عبث لكن لم لا يجوز التمدح بخلقها من حيث إنها إخراج الشيء من العدم إلى الوجود فقط، قوله لفظ الخلق لا يتناول إلا الأجسام؛ قولنا لو كان كذلك لكان قوله تعالى"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا"خطأ لأنه ليس كل شيء جسما.
الفائدة الثالثة من أسرار هذه الآية أن كثيرا من الناس زعموا أن الخلق هو التقدير فقط وأصحابنا زعموا أنه حقيقة في الإيجاد والإبداع وهذه الآية دالة على قولنا إذ لو كان الخلق عبارة عن التقدير لكان قوله"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا"مكررا من غير فائدة ونظير هذه الآية في الدلالة على هذه المسألة قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [1] فلو كان الخلق هو التقدير لكان قوله وخلق وقدر تكريرا.
الفائدة الرابعة: أنه تعالى قال فقدره تقديرا والتقدير في حق الواحد منا
(1) الأعلى: (1) - (3) .