ما بيّناه في ما تقدم من أن جميع القادرين يفتقرون في الفعل والتكوين إلى تقديم مادة ومدة وزمان ومكان وآلة ورويّة ثم قد يمتنع عليهم تكوين مقدورهم لأجل أنه يمنعه عنهم مانع ومعارض وكل ذلك على الله محال فلا جرم صدق قولنا أنه قادر على كل شيء وصدق أيضا في المبالغة هو أنه قادر على كل شيء، ثم قال"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ".
فاعلم أنه تعالى لما ذكر أولا أن بيده ملك الموجودات والمعدومات ثم قال"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ"وزمان التصرف في كل الكائنات والممكنات خصص بعده بالذكر ملك الإحياء والإماتة فقال"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ"ونظيره قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْاتًا فَأَحْياكُمْ [1] وإنما قدم الموت على الحياة لوجوه:
الأول: لو قال قائل لم قدم الموت على الحياة؟ قلنا يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح فيه.
الثاني: أنه لما ذكر عقب هذه الآية أنه تعالى ابتلى الخلائق بالتكاليف فقال"لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"والعقلاء من الناس إنما يقدمون محاسن الأعمال لخوف ما بعد الموت فكان أقوى تأثيرا من هذا المقصود فلا جرم قدم ذكر الموت على الحياة.
والثالث: أن المراد بهذا الموت المذكور في هذه الآية التي بعده هذه الحياة العاجلة البتة وذلك لأن الحياة حياة بعد موتين أحد الموتين من الأزل إلى الآن والموت الثاني من الأزل إلى الأبد فلا جرم أنزل الله تعالى ذكر هذه الحياة لخسّتها وقلتها وأما الحياة في الدار الآخرة فهي الحياة الأصلية لأنها حياة مؤبدة
(1) البقرة: (28) .