فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 866

ولهذا قال الله تعالى وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [1] ثم قال بعد ذكر الموت والحياة"لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"والابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي وذلك في حق الله محال وسيجيء تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب التكليف.

والحاصل هو أن الابتلاء من الله تعالى هو أن يعامل عبده معاملة تشبه عمل الممتحنين.

واعلم أنّا إن فسّرنا الموت والحياة بالموت حال كونه نطفة وعلقة ومضغة وبالحياة حياة الدنيا فوجه الابتلاء على هذا التفسير أن يعلم العبد أنه تعالى هو الذي نقله من الموت إلى الحياة، وكما فعل ذلك فلا بد أن يكون قادرا على أن ينقله من الحياة إلى الموت فيحذر مجيء الموت الذي به ينقطع استدراك ما فات فلا يقصّر وإما إن فسّرنا الموت والحياة بالموت في الدنيا والحياة في القيامة فالابتلاء فيها أتم لأن الخوف من الموت في الدنيا حاصل وأشدّ منه الخوف من الحياة في القيامة.

واعلم أن أول هذه السورة مع أول سورة الفرقان متشابهان في المقصود وذلك لأنه تارة يذكر الحكم ثم يذكر عقبه سببه وعلّته وأخرى بالعكس من ذلك وهو أن يذكر السبب والعلة أولا ثم يذكر الحكم عقبه.

إذا عرفت هذا فنقول: في سورة الفرقان ذكر آية التكليف أولا بقوله:

"نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا"ثم ذكر العلة والسبب بعده فقال:

"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"وأما في سورة الملك فإنه ذكر السبب والعلة أيضا وهو أنه مالك الملك على الإطلاق ومالك الملك في الإحياء والإماتة ثم أنه

(1) العنكبوت: (64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت